محمد المعري
على امتداد أكثر من خمسة عقود، لم يكن الفن السوري مجرد مساحة للإبداع أو الترفيه، بل كان جزءًا من المشهد السياسي الذي صاغه نظام حافظ الأسد ثم ورثه بشار الأسد. ففي دولةٍ احتكرت السياسة والإعلام والنقابات، لم يكن الفنان بعيدًا عن السلطة، بل وجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانخراط في المنظومة القائمة، أو دفع ثمن الاستقلال المهني وربما الشخصي.
مع سقوط النظام، خرج عدد من الفنانين السوريين إلى وسائل الإعلام يتحدثون بحرية غير مسبوقة، منتقدين ممارسات السلطة التي كانوا، بدرجات متفاوتة، جزءًا من المشهد الذي منحها شرعية ثقافية وإعلامية. لكن اللافت أن كثيرًا من هؤلاء لم يقدموا مراجعة حقيقية لمواقفهم السابقة، ولم يعتذروا للشعب السوري عن دورهم في تلميع النظام، بل إن بعضهم لا يزال يستخدم المصطلحات التي روّج لها النظام طوال سنوات الحرب، فيصف الثورة السورية بأنها “أزمة”، أو ينكر علمه بحجم الانتهاكات والاعتقالات التي وثقتها آلاف الشهادات والمنظمات الحقوقية.
لم يكن النظام السوري بحاجة إلى الفنانين بوصفهم ممثلين فقط، بل باعتبارهم أدواتٍ لصناعة الصورة. فالفنان يحظى بثقة الجمهور، وكلمته تحمل تأثيرًا يفوق أحيانًا خطاب السياسي. لذلك حرص النظام على استقطاب أسماء فنية كبيرة، ومنحها الامتيازات والتكريمات، لتصبح جزءًا من المشهد الذي يرسل رسالة مفادها أن “رموز الثقافة والفن تقف مع الدولة”، حتى عندما كانت الدولة تواجه اتهامات واسعة بانتهاكات جسيمة.
وفي المقابل، لم يكن جميع الفنانين في الموقف ذاته. فقد اختار بعضهم الوقوف إلى جانب مطالب السوريين بالحرية والكرامة، ودفعوا ثمن ذلك بالإقصاء أو المنع أو النفي أو الاعتقال، بينما فضّل آخرون الصمت، واختار فريق ثالث الاصطفاف العلني مع السلطة، وشارك في فعالياتها وخطاباتها الإعلامية، وساهم، بقصد أو بغير قصد، في ترسيخ الرواية الرسمية.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل الفن محايد؟
التاريخ يجيب بالنفي. فالفن ليس مجرد أداء على خشبة المسرح أو أمام عدسة الكاميرا، بل هو قوة ناعمة تؤثر في الوعي الجمعي. لذلك استخدمته الأنظمة الشمولية عبر التاريخ لتلميع صورتها، كما استخدمته الشعوب لمقاومة الاستبداد وصناعة الذاكرة. وفي اللحظات المفصلية، يصبح موقف الفنان جزءًا من الموقف الأخلاقي، لأن الشهرة تمنح صاحبها قدرة على التأثير لا يمتلكها المواطن العادي.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الفنان لا يُحاسب فقط على أعماله الفنية، بل أيضًا على موقعه عندما تكون الحرية والعدالة على المحك. فالأغنية، والمسلسل، والتصريح الإعلامي، وحتى الصمت، قد تتحول جميعها إلى مواقف سياسية، سواء أراد صاحبها ذلك أم لا.
اليوم، وبعد تبدل المشهد السياسي في سوريا، تبدو المراجعة الصادقة أكثر أهمية من محاولة إعادة كتابة التاريخ. فالاعتراف بالموقف السابق ليس انتقاصًا من صاحبه، بل دليل على شجاعة أخلاقية. أما تجاهل الماضي أو إنكاره، أو الاستمرار في تبني الروايات التي استخدمها النظام لتوصيف الثورة السورية، فإنه يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مسؤولية النخب الثقافية في صناعة الوعي العام.
إن الفن الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الجوائز أو نجاح الأعمال، بل بقدرته على الانحياز إلى الإنسان عندما تُنتهك كرامته. فالسلطة قد تستخدم الفن لتجميل صورتها، لكن الفن الذي يبقى في ذاكرة الشعوب هو ذلك الذي يقف إلى جانب الحقيقة، لا إلى جانب القوة.








