مقال رأي – محمد المعري
أعادت الوثائق التي نشرتها “زمان الوصل” بشأن قضية اختطاف الطبيب الكويتي خالد البلوشي واستدراج المواطن الكويتي يوسف عيسى سعد العلي فتح ملف بالغ الحساسية، ليس فقط بسبب خطورة الاتهامات الواردة فيها، وإنما لأنها تطرح أسئلة عميقة حول فعالية منظومة العدالة الجنائية، وحدود التحقيقات الأمنية، وآليات محاسبة المتورطين في الجرائم المنظمة العابرة للحدود.
فإذا كانت الوثائق المنشورة – ومن بينها ما قيل إنه الضبط رقم (251) الصادر عن فرع المباحث الجنائية بريف دمشق بتاريخ 4 أيار 2025 – صحيحة وكاملة، فإن القضية تتجاوز كونها جريمة خطف وابتزاز مالي، لتصبح اختباراً حقيقياً لقدرة مؤسسات الدولة على الوصول إلى جميع المتورطين، مهما كانت مواقعهم أو الجهات التي قد توفر لهم الحماية.
وتشير الوثائق المنشورة إلى شبكة معقدة تضم عمليات استدراج وخطف وتحويلات مالية بمبالغ ضخمة، إلى جانب اعترافات لموقوفين، وضبط أسلحة ومركبات وأجهزة اتصال، فضلاً عن الحديث عن فدية بلغت نصف مليون دولار أمريكي. وإذا ثبتت هذه الوقائع أمام القضاء، فإننا نكون أمام واحدة من أخطر قضايا الجريمة المنظمة التي شهدتها سوريا في السنوات الأخيرة.
ومن أكثر النقاط إثارة للاهتمام ما يتعلق بكتاب إدارة الهجرة والجوازات الذي قيل إنه أكد عدم تسجيل أي حركة خروج أو دخول للطبيب المختطف، وهو ما استخدم – بحسب التحقيق المنشور – لنفي فرضية مغادرته البلاد وتعزيز فرضية احتجازه داخل الأراضي السورية. وإذا صح هذا المستند، فإنه يمثل دليلاً إجرائياً مهماً، لكنه يبقى جزءاً من ملف يجب أن يخضع للتقييم القضائي الكامل، وليس الإعلامي فقط.
وفي المقابل، فإن أخطر ما ورد في الوثائق لا يتعلق بوقائع الخطف ذاتها، بل بالحديث عن وجود من ساعد في تهريب المطلوبين وتأمين الحماية لهم داخل محافظة السويداء. فهذه المزاعم، إن ثبتت قضائياً، تعني أن الجريمة لم تعد عملاً فردياً، وإنما امتدت إلى شبكة دعم ولوجستيات قادرة على تعطيل تنفيذ مذكرات البحث وإخفاء المطلوبين عن العدالة.
لكن من الناحية القانونية، ينبغي التمييز بين الوثائق الصحفية وبين الأحكام القضائية. فالتحقيقات الأمنية، مهما بلغت قوتها، لا تُعد حكماً بالإدانة، كما أن الأسماء الواردة فيها تظل خاضعة لقرينة البراءة إلى أن يصدر حكم قضائي مبرم بحقها. وهذه قاعدة أساسية في أي نظام عدلي يحترم سيادة القانون.
ومن اللافت أيضاً أن وزارة الداخلية السورية، في تصريحاتها وسياساتها العامة خلال المرحلة الأخيرة، شددت مراراً على أن مكافحة الجريمة المنظمة، وملاحقة المطلوبين، وتعزيز سيادة القانون، تمثل أولويات أساسية، كما أكدت أهمية تطوير الأجهزة الأمنية ورفع كفاءتها في ملاحقة الجرائم الخطيرة. إلا أنها لم تصدر – بحسب المعلومات المتاحة – بياناً رسمياً يتناول هذه القضية بعينها أو يؤكد تفاصيل ما نشرته “زمان الوصل”.
أما وزارة العدل السورية، فلم يُعثر على أي إعلان أو بيان رسمي منشور يخص هذه القضية أو يوضح ما إذا كانت الدعوى قد وصلت إلى مرحلة المحاكمة أو صدرت بشأنها قرارات قضائية معلنة.
وفي ظل غياب التعليق الرسمي، تبقى عدة أسئلة مشروعة تنتظر الإجابة:
هل فُتح تحقيق قضائي مستقل في المزاعم المتعلقة بتهريب المطلوبين؟
هل جرى التحقق من التسجيلات الصوتية التي تحدثت عنها الوثائق وفق الأصول الفنية والقانونية؟
هل تمكنت الجهات المختصة من استرداد الأموال التي قيل إنها دُفعت كفدية؟
وما هو مصير بقية المطلوبين الذين أشارت إليهم التحقيقات؟
إن الرأي العام لا يحتاج إلى مزيد من التسريبات بقدر ما يحتاج إلى نتائج قضائية شفافة. فالقضايا التي تمس أمن المواطنين وسمعة مؤسسات الدولة لا تُحسم في وسائل الإعلام، وإنما داخل أروقة القضاء، عبر تحقيقات مستقلة وإجراءات عادلة تكفل حقوق الضحايا والمتهمين على حد سواء.
وفي النهاية، فإن قوة الدولة لا تُقاس بعدد الضبوط الأمنية التي تُنظم، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الضبوط إلى أحكام قضائية نافذة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه دون استثناء أو انتقائية. وإذا كانت الوقائع الواردة في الوثائق صحيحة، فإن الرهان الحقيقي يبدأ بعد انتهاء التحقيقات، عندما يصبح القانون هو المرجع الوحيد، وتكون العدالة قادرة على الوصول إلى الجميع، لا إلى بعضهم فقط.










