في تطور ينذر بانفجار شامل في الشرق الأوسط، عادت الولايات المتحدة إلى توجيه ضربات عسكرية مباشرة ضد أهداف في العمق الإيراني، في عملية تعد الأوسع والأعنف منذ بدء الصراع بين البلدين.
وبالتزامن مع القصف، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية تحذيرا استثنائيا لرعاياها في المنطقة والعالم، دعتهم فيه إلى توخي الحذر والاستعداد لاحتمال إغلاق المجال الجوي، كما طلبت منهم النظر في المغادرة أو الاستعداد لها في حال حدوث تصعيد.
وكان البند الأكثر إثارة للقلق تأكيد الوزارة أن إيران والمجموعات الداعمة لها قد تستهدف مصالح أميركية أو أميركيين في أنحاء العالم. ويشير هذا التحذير إلى أن المواجهة لم تعد محصورة في الشرق الأوسط، وأن دائرة التهديد قد تمتد إلى مناطق أخرى من العالم.
جذور العداء بين واشنطن وطهران
لفهم كيفية وصول المنطقة إلى هذه اللحظة المصيرية، لا بد من العودة إلى جذور الصراع بين واشنطن وطهران، ثم إلى تداخله المتزايد مع المواجهة بين إيران وإسرائيل.
بدأ التحول الحاسم عام 1979، حين أطاحت الثورة الإسلامية بنظام الشاه الموالي للولايات المتحدة، وحولت إيران من حليف استراتيجي لواشنطن إلى خصم شديد العداء لها.
وسرعان ما تجسد هذا العداء في أزمة الرهائن، حين احتجز طلاب إيرانيون 52 دبلوماسيا أميركيا في السفارة الأميركية بطهران مدة 444 يوما، في أزمة تركت جرحا عميقا في الذاكرة السياسية الأميركية.
ومنذ تلك اللحظة، دخل البلدان في دوامة من العداء المتبادل، تحولت مع مرور الوقت إلى حرب ظل متعددة الجبهات والأدوات.
اعتمدت طهران استراتيجية “الدفاع المتقدم”، وبنت شبكة إقليمية من الحلفاء والفصائل المسلحة متفاوتة الارتباط بها، شملت حزب الله في لبنان، وحركتي حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة، والحوثيين في اليمن، وفصائل مسلحة عراقية قادرة على استهداف المصالح الأميركية. وحولت إيران هذه الشبكة إلى إحدى أهم أدوات الردع الاستراتيجي لديها.
في المقابل، تبنت إسرائيل نهجا هجوميا استباقيا، ونفذت عمليات اغتيال وتخريب داخل العمق الإيراني، كان من أبرزها اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده، والهجمات المتكررة على منشأة نطنز النووية، التي أخرت بعض مسارات البرنامج النووي الإيراني.
بين الضغوط القصوى والدبلوماسية
أما الولايات المتحدة، فقد تأرجحت سياستها بين الضغوط القصوى والدبلوماسية الحذرة.
في عام 2018، انسحبت إدارة الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي، وفرضت على إيران عقوبات تعد من أشد العقوبات التي تعرضت لها، ما دفع طهران لاحقا إلى تقليص التزاماتها بموجب الاتفاق.
وبلغ التوتر ذروته في يناير 2020، بعد اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني قرب مطار بغداد. وردت إيران بقصف قاعدة عين الأسد في العراق بعشرات الصواريخ الباليستية. وفي خضم حالة الاستنفار، أسقطت الدفاعات الإيرانية بالخطأ طائرة ركاب أوكرانية، ما أدى إلى مقتل 176 شخصا.
ومع ذلك، بقيت هذه المحطات، على خطورتها، ضمن منطق “حرب الظل”، التي كانت تضبطها قواعد اشتباك غير مكتوبة، حتى جاء عام 2026 ليسقط هذه القواعد دفعة واحدة.
الطريق إلى المواجهة المفتوحة
مع مطلع العام، بدأت المؤشرات تتسارع نحو مواجهة بدت حتمية.
ففي يناير، رصدت أقمار التجسس الأميركية والإسرائيلية تحركات غير عادية في منشأة نطنز النووية، حيث تم تركيب أجهزة طرد مركزي متطورة من طراز “آي آر-9” في قاعة جديدة تحت الأرض، قادرة على تخصيب اليورانيوم بسرعة تفوق الأجيال السابقة بعشرة أضعاف.
وبحسب تقديرات استخباراتية مسربة، أصبحت إيران على بعد أسابيع فقط من امتلاك كمية كافية من اليورانيوم عالي التخصيب لصنع ثلاثة رؤوس نووية.
وفي فبراير، فشلت جولة مفاوضات سرية استضافتها مسقط، وشارك فيها دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون، بعد تمسك طهران برفع العقوبات بالكامل قبل أي نقاش حول برنامجها النووي، بينما أصرت واشنطن على تفكيك أجهزة الطرد المركزي المتطورة بوصفه شرطا مسبقا.
انتهت الجولة من دون اتفاق، لتبدأ بعدها مباشرة تحركات عسكرية أميركية متسارعة في الخليج، وفي مارس، دفع البنتاغون بحاملتي طائرات إلى مياه الخليج، وانضمت إليهما غواصات مسلحة بصواريخ توماهوك، بينما عززت إسرائيل دفاعاتها الجوية، ونشرت بطاريات القبة الحديدية ومقلاع داوود في حالة تأهب قصوى.
وفي طهران، خرج المرشد الأعلى في خطاب شديد اللهجة، محذرا من أن “أي مغامرة عسكرية ستواجه برد يجعل المخطئ يندم إلى الأبد”. في المقابل، لوح الرئيس ترامب، في منشور مقتضب، بأن “أيام إيران في تحدي العالم باتت معدودة”.
لحظة الصفر
ثم جاءت لحظة الصفر في أبريل، في ساعات الفجر الأولى، شنت طائرات أميركية شبحية من طرازي “إف-35” و”بي-2 سبيريت”، إلى جانب طائرات إسرائيلية، غارات جوية متزامنة على أهداف متعددة في العمق الإيراني.
وكان الهدف الأول والأهم القاعة الجديدة تحت الأرض في منشأة نطنز، التي قصفت بقنابل خارقة للتحصينات، تزن الواحدة منها 30 ألف رطل. واخترقت القنابل طبقات من الخرسانة المسلحة والجرانيت قبل أن تنفجر في قلب القاعة وتحولها إلى ركام.
وفي وقت متقارب، استهدفت موجة ثانية من الغارات قاعدة بارشين العسكرية قرب طهران، حيث دمرت منشآت يعتقد أنها استخدمت في تجارب مرتبطة بتفجير الرؤوس النووية.
وطالت الضربات أيضا منشأة أصفهان النووية، ودمرت مقر قيادة فيلق القدس في طهران، كما استهدفت مخازن للصواريخ الباليستية في كرمانشاه، إضافة إلى مواقع للرادار ومنظومات للدفاع الجوي في بوشهر وخوزستان.
استمرت الغارات أكثر من أربع ساعات، وشوهدت أعمدة الدخان تتصاعد من مواقع متعددة، فيما هرعت سيارات الإسعاف والدفاع المدني إلى المواقع المستهدفة في طهران وأصفهان.
وأعلن البنتاغون، في بيان مقتضب، أن “العملية استهدفت بنى تحتية نووية وعسكرية استخدمتها إيران لتهديد الأمن الإقليمي والدولي”، من دون الكشف عن حجم الخسائر.
الرد الإيراني
لم يتأخر الرد الإيراني، وجاء هذه المرة على نحو غير مسبوق في جرأته واتساعه، فبعد ساعات من انتهاء الغارات، أطلقت طهران وابلا ضخما يزيد على 300 صاروخ باليستي وطائرة مسيرة انتحارية باتجاه إسرائيل.
وكانت هذه، بحسب النص، المرة الأولى التي تطلق فيها إيران صواريخ من أراضيها مباشرة باتجاه تل أبيب وحيفا والقدس. ودوت صفارات الإنذار في أنحاء إسرائيل، فيما هرع الملايين إلى الملاجئ.
واعترضت منظومات القبة الحديدية ومقلاع داوود وآرو، إلى جانب مدمرات أميركية في البحر المتوسط، الجزء الأكبر من الصواريخ. لكن كثافة الهجوم جعلت اعتراض جميع المقذوفات أمرا متعذرا، وسقطت عدة صواريخ في ضواحي تل أبيب، ما أدى إلى تدمير مبان سكنية ومقتل 14 مدنيا وإصابة العشرات. وفي حيفا، أصاب صاروخ منشأة صناعية، وتسبب في اندلاع حريق كبير.
استهداف القواعد الأميركية
لم تقتصر الضربة الإيرانية على إسرائيل. فبالتزامن مع إطلاق الصواريخ، شنت الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق وسوريا هجمات منسقة بطائرات مسيرة مفخخة وصواريخ كروز على قواعد أميركية.
وتعرضت قاعدة التنف، على الحدود السورية العراقية، لهجوم وصف بأنه الأعنف منذ إنشائها. واخترقت طائرات مسيرة الدفاعات الجوية، وأصابت مهاجع الجنود ومخازن الذخيرة، ما أدى إلى مقتل 27 جنديا أميركيا وإصابة 43 آخرين، في أكبر حصيلة خسائر أميركية خلال يوم واحد منذ عقود.
كما استهدفت صواريخ غراد قواعد أخرى في عين الأسد بالعراق والشدادي في سوريا، لكن الدفاعات تمكنت من اعتراض معظمها. وفي البحرين، اعترضت البحرية الأميركية زورقا مفخخا حاول الاقتراب من الأسطول الخامس.
تهديد يتجاوز حدود المنطقة
في خضم هذا التصعيد غير المسبوق، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية تحذيرها الاستثنائي لرعاياها، مؤكدة ضرورة الاستعداد لاحتمال إغلاق المجال الجوي، والنظر في المغادرة أو الاستعداد لها، كما حذرت من أن “إيران والمجموعات الداعمة لها قد تستهدف مصالح أميركية أو أميركيين في أنحاء العالم”.
وجاء التحذير بعد رصد اتصالات استخباراتية تشير إلى احتمال تفعيل خلايا نائمة لشن هجمات في أوروبا وأميركا اللاتينية، ما دفع عدة سفارات أميركية إلى رفع حالة التأهب إلى الدرجة القصوى، لم يكن التحذير مجرد إجراء روتيني، بل مؤشرا إلى أن التهديد لم يعد إقليميا فحسب، وأن المواجهة قد تنتقل إلى ساحات جديدة.
انهيار قواعد حرب الظل
ما يجعل المشهد الحالي مختلفا عما سبقه هو الانهيار الكامل لمنطق “حرب الظل”، الذي وفر استقرارا هشا لعقود، دفع التقدم النووي الإيراني واشنطن وتل أبيب إلى خيار الضربة المباشرة، فيما أطلقت الضربة يد طهران للرد العلني من أراضيها على إسرائيل، ما أنهى حقبة كاملة من قواعد الاشتباك غير المكتوبة.
ويقف العالم اليوم أمام سيناريو متكامل لاندلاع حرب شاملة، فيما تغيب أي بوادر جدية إلى وجود قنوات اتصال قادرة على خفض التصعيد، لم تعد أسئلة الحرب تدور حول ما إذا كانت ستقع، بل حول توقيت المعركة التالية ومكانها وحجمها. وفي انتظار الإجابة، تبقى المنطقة بأكملها رهينة لمعادلة شديدة الخطورة، يمكن أن تنفجر في أي لحظة.
بقلم : محمد السلطان








