أنهت شركة MTN Syria خدمات نحو 40 موظفاً، عقب تحقيقات داخلية قالت إن نتائجها أظهرت تورطهم في تسريب معلومات تخص المشتركين إلى جهات خارجية، وفق ما نقلته وسائل إعلام سورية عن مصدر مطلع. وشملت المعلومات التي يُشتبه بتسريبها مكالمات مسجلة وأرقام هواتف تعود لمسؤولين في الدولة السورية، فيما تحدثت المعطيات عن ارتباط الموظفين المفصولين بجهات قيل إنها تعمل على زعزعة الأمن في سورية.
التحقيق الداخلي في الواجهة
بحسب المعلومات المتداولة، جاءت قرارات الفصل بعد تحقيقات أجرتها الشركة للوقوف على كيفية الوصول إلى بيانات المشتركين وتداولها خارج الأطر المسموح بها. إلا أن التفاصيل المنشورة حتى الآن لا توضح طبيعة الأدلة التي استندت إليها التحقيقات، ولا الفترة التي يُعتقد أن عمليات التسريب حدثت خلالها، أو حجم البيانات التي جرى الوصول إليها.
كما لم تُكشف هوية الجهات الخارجية التي قيل إن المعلومات وصلت إليها، وما إذا كان التسريب قد اقتصر على بيانات تعريفية وأرقام هواتف، أم امتد إلى تسجيلات ومعلومات أكثر حساسية.
من البيانات الشخصية إلى سرية المكالمات
تكمن حساسية القضية في طبيعة المعلومات التي يُقال إنها تعرضت للتسريب. فبيانات المشتركين لا تقتصر على رقم الهاتف وبيانات صاحب الخط، بل يمكن أن ترتبط بسجلات الاتصال ومعلومات تقنية أخرى، بينما يمثل الوصول إلى تسجيلات المكالمات مستوى مختلفاً من الخطورة، نظراً إلى ارتباطها مباشرة بخصوصية الأفراد وسرية اتصالاتهم.
وفي حال تأكد وجود تسجيلات ضمن البيانات التي جرى تسريبها، فإن القضية لا تعود مجرد مخالفة إدارية داخل شركة اتصالات، بل تطرح أسئلة حول أنظمة الوصول إلى قواعد البيانات، والصلاحيات الممنوحة للموظفين، وآليات تسجيل ومراجعة عمليات الاطلاع على المعلومات الحساسة.
القضية ليست معزولة عن تاريخ بيانات الاتصالات
وتأتي التطورات الحالية على خلفية إرث طويل من الجدل حول التعامل مع بيانات مستخدمي الاتصالات في سورية. فقد أظهر تحقيق استقصائي نشر في نهاية عام 2025، واستند إلى وثائق من أجهزة المخابرات السورية السابقة، أن إدارة الاتصالات في شعبة المخابرات العسكرية حصلت خلال عهد النظام السابق على بيانات تخص عملاء شركتي سيرياتيل وMTN، واستخدمت بعض هذه المعلومات في عمليات تتبع ومراقبة. وأشار التحقيق إلى وجود وثائق تتضمن بيانات مرتبطة بأرقام خلوية ومعلومات عن أصحابها.
وتكتسب هذه الخلفية أهمية عند قراءة القضية الحالية، لأنها تبرز أن حماية بيانات مستخدمي الاتصالات كانت طوال سنوات مرتبطة أيضاً بطريقة تعامل المؤسسات والأجهزة المختلفة مع قواعد بيانات شركات الاتصالات، وليس فقط بالإجراءات التقنية داخل الشركات.
انتقال ملكية MTN يضيف بعداً آخر
وتزامن ملف فصل الموظفين مع مرحلة انتقالية في قطاع الاتصالات السوري، بعدما استحوذت شركة زين على أعمال MTN في سورية ضمن إعادة ترتيب سوق الاتصالات. وتفرض مثل هذه المرحلة تحديات إضافية تتعلق بإدارة قواعد البيانات ونقل الصلاحيات والمحافظة على استمرارية الخدمة، إلى جانب ضمان عدم إساءة استخدام المعلومات المتاحة للعاملين خلال عملية إعادة الهيكلة.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأهم ليس فقط لماذا فُصل الموظفون، وإنما كيف أمكن الوصول إلى البيانات محل القضية، ومن امتلك صلاحية الاطلاع عليها، وهل كانت هناك أنظمة قادرة على رصد عمليات النسخ أو النقل غير المصرح بها.
أسئلة تتجاوز قرار الفصل
ورغم أن فصل نحو 40 موظفاً يمثل إجراءً داخلياً واسعاً، فإن القضية تترك مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات رسمية، أبرزها حجم البيانات التي جرى الوصول إليها، وما إذا كانت المكالمات المسجلة قد تعرضت فعلاً للتسريب، والجهات التي تلقت المعلومات، وما إذا كان أي من المشتركين قد تضرر بصورة مباشرة.
كما تبرز مسألة الإجراءات القانونية اللاحقة، إذ لم تتضح في المعلومات المنشورة حتى الآن طبيعة الخطوات التي اتخذتها الجهات المختصة بحق الموظفين المفصولين، أو ما إذا كانت القضية أحيلت إلى القضاء.
وفي ظل غياب تفاصيل رسمية أوسع، تبقى بعض المعطيات المتداولة بحاجة إلى توثيق مستقل، ولا سيما ما يتعلق بجهة تلقي البيانات وطبيعة الارتباطات المنسوبة إلى الموظفين. أما الثابت في المعلومات المنشورة فهو أن قرارات الفصل ارتبطت، وفق المصدر الذي نقلت عنه وسائل الإعلام، بتحقيقات داخلية حول تسريب بيانات ومعلومات حساسة.
وتعيد القضية بذلك ملف خصوصية المشتركين وسرية الاتصالات إلى الواجهة، ليس بوصفه شأناً تقنياً يخص شركات الاتصالات وحدها، وإنما باعتباره قضية تتصل بثقة ملايين المستخدمين في كيفية حفظ بياناتهم، وبمدى قدرة الشركات والجهات الناظمة على منع الوصول غير المصرح به إلى هذه البيانات ومحاسبة المسؤولين عنه عند ثبوته.








