مقال ساخر – محمد المعري
في بلادٍ أخرى، يُقال إن نتائج الثانوية العامة تُنشر إلكترونيًا لتسهيل حياة الطلاب. أما عندنا، فهي تُنشر إلكترونيًا لتختبر أولًا مدى أهليتك النفسية، وصبرك، وقوة اتصالك بالإنترنت، وإيمانك بأن المعجزات ما زالت ممكنة.
تستيقظ صباحًا وقد أعلنت الوزارة بفخر أن النتائج أصبحت متاحة عبر الموقع الإلكتروني والتطبيق الرسمي. تشعر أن التكنولوجيا أخيرًا دخلت حياتنا. تفتح الرابط… فتستقبلك عبارة عظيمة خالدة:
“جاري تحميل البيانات… الرجاء الانتظار للحظات.”
تمر اللحظات.
ثم تمر ساعات.
ثم تبدأ بالشك أن كلمة “لحظات” في القاموس الرسمي تعني “عدة عصور جيولوجية”.
تقول في نفسك: لا بأس، سأستخدم التطبيق، فلا بد أنه أكثر تطورًا. تحمّله، تفتحه، فتجد قائمة اختيار المحافظة، لكنها تتعامل مع لمساتك كما يتعامل موظف الدوام الرسمي مع المراجعين قبل شرب القهوة: لا استجابة، ولا اكتراث، ولا حتى نظرة.
تضغط على اسم المحافظة.
لا شيء.
تضغط مرة أخرى.
لا شيء.
تضغط بعنف حتى تكاد الشاشة تعترف بمحافظتك خوفًا… لكنها تبقى صامتة، وكأنها تقول: “أنا مجرد صورة، لا ترفع سقف توقعاتك.”

أما قائمة اختيار الفرع، فهي أكثر فلسفة؛ فهي تؤمن بحرية الإنسان، لذلك ترفض أن تفرض عليك أي خيار… أو بالأحرى ترفض أن تسمح لك بأي خيار.
بعد ساعتين من المحاولات، تتحول من طالب ينتظر نتيجته إلى مهندس شبكات، وخبير في تحديث الصفحات، ومحلل أعطال، وتجرب كل الحلول الممكنة: تبديل الإنترنت، إعادة تشغيل الهاتف، مسح ذاكرة التخزين، حذف التطبيق، إعادة تثبيته، الدعاء، والاستغفار… بينما التطبيق ثابت على موقفه، لا يهتز.
والوزارة، بكل ثقة، تقول إن النتائج متوفرة إلكترونيًا.
وهذا صحيح.
هي “متوفرة”… لكن الوصول إليها يشبه الوصول إلى كنز مدفون في نهاية لعبة فيديو، بعد أن تهزم ألف وحش وتعبر سبع مراحل، ثم تكتشف أن الخادم “تحت الصيانة”.
الأجمل من كل ذلك أن آلاف الطلاب يحدقون في الشاشة نفسها، يراقبون عبارة “الرجاء الانتظار للحظات”، حتى أصبحت هذه العبارة هي النتيجة الوحيدة التي حصل عليها الجميع، وربما الوحيدة التي ظهرت بثبات واستقرار.
في النهاية، لم تعد المشكلة معرفة إن كنت ناجحًا أم راسبًا؛ بل أصبحت الأمنية أن تنجح القائمة المنسدلة في فتح نفسها، أو أن يقرر زر “اختيار المحافظة” أن يتفاعل مع البشرية ولو لمرة واحدة.
وهكذا، دخلت التكنولوجيا التعليمية مرحلة جديدة؛ لم يعد الامتحان ينتهي عند آخر ورقة تُسلَّم، بل يبدأ بعد إعلان النتائج… حيث يتنافس مئات الآلاف في سباقٍ ملحمي عنوانه: “من سينجح أولًا في الوصول إلى صفحة النتيجة؟”
أما من يتمكن من رؤية معدله فعلًا، فلا يُقال عنه إنه نجح في الثانوية العامة…








