بقلم: نورهان كردي
يمثل اكتمال تشكيل مجلس الشعب السوري الانتقالي في الأول من تموز محطة سياسية مهمة في مسار المرحلة الانتقالية. ومع اقتراب انعقاد جلسته الأولى، تتجه الأنظار إلى هذه المؤسسة التي يُفترض أن تضطلع بدور يتجاوز الوظيفة التشريعية التقليدية، لتصبح أحد أبرز الفاعلين في رسم ملامح سوريا الجديدة. غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بتشكيل المجلس بحد ذاته، بل بقدرته على تحويل التوقعات المعلقة عليه إلى واقع سياسي وتشريعي ملموس.
تركيبة المجلس ومكانته
يختلف المجلس الحالي عن المجالس التي عرفها السوريون خلال العقود الماضية، سواء من حيث تركيبته أو طبيعة المرحلة التي جاء فيها. فالتنوع الذي يضمه، من شخصيات معارضة ومعتقلين سابقين وأكاديميين وقيادات محلية، يمنحه فرصة لأن يكون أكثر تمثيلاً للمجتمع السوري.
لكن التنوع وحده لا يكفي لصناعة مؤسسة فاعلة. فالمعيار الحقيقي لنجاح المجلس لن يكون في أسمائه أو خلفيات أعضائه، بل في مدى قدرته على ممارسة دور مستقل، وعلى التحول من مؤسسة تصادق على القرارات إلى مؤسسة تسهم في صناعتها وتوجيهها.
المهام التأسيسية والرقابية
قد تكون المهمة الأبرز أمام المجلس هي المساهمة في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع بعد سنوات طويلة من الصراع والانقسام. ويتطلب ذلك مراجعة البنية القانونية التي حكمت البلاد لعقود، والعمل على تطوير تشريعات تكرس الحريات والحقوق وتدعم بناء مؤسسات أكثر توازناً وشفافية.
وفي الوقت نفسه، يواجه المجلس اختباراً لا يقل أهمية يتمثل في ممارسة دوره الرقابي على السلطة التنفيذية. فنجاح أي مؤسسة تشريعية لا يقاس فقط بعدد القوانين التي تصدرها، بل بقدرتها على مساءلة الحكومة ومراقبة أدائها والدفاع عن المصلحة العامة.
وربما تكون استعادة ثقة المواطنين التحدي الأكثر إلحاحاً. فالسوريون لا ينتظرون خطابات سياسية بقدر ما ينتظرون مؤشرات عملية تؤكد أن مؤسسات الدولة بدأت تستجيب لاحتياجاتهم وتطلعاتهم.
القضايا الشائكة: اختبار المصير
تضع المرحلة الانتقالية أمام المجلس مجموعة من الملفات المعقدة التي يصعب التعامل معها بمنطق الحلول السريعة.
فالعدالة الانتقالية تفرض البحث عن توازن دقيق بين حق الضحايا في العدالة وضرورة الحفاظ على السلم الأهلي. كما أن ملف استعادة الأملاك والحقوق يطرح أسئلة قانونية واجتماعية شديدة الحساسية، في ظل ما خلفته سنوات النزوح والتهجير من نزاعات وتعقيدات.
أما قضية حصر السلاح، فتبدو من أكثر القضايا ارتباطاً بمستقبل الدولة نفسها، لأن بناء مؤسسات مستقرة يظل رهناً بوجود سلطة قانونية واحدة تحتكر استخدام القوة.
وفي الجانب الاقتصادي، لا يمكن الحديث عن استقرار سياسي مستدام دون مواجهة الفساد وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات العامة وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.
التحديات التي تواجه المجلس
رغم أهمية الخطوة التي يمثلها تشكيل المجلس، فإن شرعيته السياسية والشعبية ستظل مرتبطة بأدائه أكثر من ارتباطها بآلية تشكيله. فالمواطن السوري الذي أنهكته الحرب والأزمات الاقتصادية سيحكم على هذه المؤسسة من خلال نتائجها وقدرتها على التأثير في حياته اليومية.
كما أن حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية يجعل هامش الوقت المتاح أمام المجلس محدوداً، ويضعه أمام اختبار مبكر يتعلق بقدرته على تحويل التوافقات السياسية إلى سياسات عملية.
كيف يحافظ المجلس على مكتسبات الثورة؟
إذا كان السوريون قد دفعوا ثمناً باهظاً للوصول إلى هذه المرحلة، فإن الحفاظ على مكتسباتها يتطلب ترسيخ مبادئ الحكم الرشيد، وتعزيز الفصل بين السلطات، وحماية الحريات العامة، ومنع إعادة إنتاج أي شكل من أشكال الهيمنة السياسية التي عرفتها البلاد في الماضي.
فالقضية لا تتعلق فقط ببناء مؤسسات جديدة، بل بضمان أن تعمل هذه المؤسسات وفق قواعد تمنع احتكار السلطة وتكرس المساءلة والشفافية.
بين الفرصة التاريخية واختبار المسؤولية
قد يكون مجلس الشعب السوري لعام 2026 أمام فرصة نادرة للمساهمة في تأسيس مرحلة سياسية مختلفة، لكنه في الوقت نفسه يواجه اختباراً بالغ الصعوبة. فنجاحه لن يقاس بالشعارات ولا بحجم التوقعات المعلقة عليه، بل بمدى قدرته على تحويل مبادئ دولة القانون إلى ممارسات ومؤسسات فاعلة.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كان المجلس قادراً على إصدار القوانين أو عقد الجلسات، بل ما إذا كان قادراً على استعادة ثقة السوريين بأن مؤسسات الدولة يمكن أن تكون أداة لحماية الحقوق وخدمة المواطنين، لا وسيلة للهيمنة عليهم. والإجابة عن هذا السؤال ستتضح من خلال الأداء والممارسة أكثر مما ستتضح من خلال الوعود والخطابات.










