في حي العسالي بدمشق، حيث كانت الحياة تتنفس بصعوبة تحت وطأة الحصار، كان أبو أحمد يشعر كل صباح أنه يستيقظ من قبره. لم يكونوا مجرد أرواح صامدة، بل جثثاً حية بقلوب تخفق خوفاً لا أملاً. كانوا يدركون جميعاً أن الحياة الحقيقية موجودة خارج ذلك الشريط الذي يفصل بين الحي والعالم. وكل يوم جمعة كانت أصوات الحياة من الخارج تصلهم كسراب، نبضات بعيدة تذكرهم أنهم لا يزالون على قيد الحياة.
لكن الصبر له حدود.
ذات فجر، قرر أبو أحمد الهرب. حمل حقيبة صغيرة، وضم زوجته وأولاده الأربعة، وخرجوا من العسالي إلى حي الميدان. كان الظن أنهم هربوا من الموت، لكنهم حملوا الموت في قلوبهم.
لم ينجوا جميعاً.
أحمد، ابنه البكر، خرج صباحاً كعادته إلى العمل ولم يعد. مضت سنة كاملة ونحن نطرق أبواب المستشفيات ونتصفح قوائم المفقودين والوفيات التي كانت تنشر بين الحين والآخر. تلقينا خبراً واحداً فقط، ليس خبر نجاته، بل خبر موته يقيناً. قتلوه في الطريق قبل أن يصل إلى أي فرع، قبل أن يُمنح فرصة ليرى الحياة من جديد.
أصيب أبو أحمد بصدمة لم تترك له مكاناً في دمشق الآمنة. خاف على أبنائه الباقين، فاستأجر منزلاً في حي الميدان بمنطقة الحقلة، وعاد إلى عمله سائقاً في المطاحن الحكومية. كل صباح كان يحمل رغيف الأمان لأسرته على ظهر شاحنة محملة بأكياس الطحين.
وفي صباح يوم خميس، بينما كان يتوقف على جانب الرصيف ليشرب قليلاً من الماء، ظهرت دورية أمنية فجأة. طلبوا هويته، فأعطاهم إياها بيد مرتجفة. قرأوا اسمه ونظروا إليه نظرة لا ترى فيه إلا مطلوباً هارباً.
اصفر وجهه وجف لسانه من الخوف، لكنه احتج بصوت يكاد يختنق:
“أنا موظف حكومي، اتركوني أقضي حاجتي ثم فتشوني إن شئتم.”
واتصل بقسم المطاحن طالباً منهم إرسال من يتسلم السيارة، خوفاً من أن تُحتسب عليه سرقة إذا غادرها وحيداً. لكنه لم يسترد هويته منهم، فعاد إلى باب منزله كمن خرج للتو من جنازته.
أخبر زوجته بما حدث، وتشاورا طويلاً. لم يكن أمامهما سوى خيار واحد يبدو قراراً مصيرياً: المخاطرة بأرواحهم والعودة إلى العسالي. لكن أبو أحمد لم يكن يملك هويته، فاستعان بصديق قديم خاطر بحياته وأمّن له هوية مزورة تحمل اسماً آخر، فعادوا إلى ظلمة الحياة.
وهنا بدأت سنة أخرى من العذاب.
لا ماء، ولا كهرباء، ولا أدنى مستلزمات الحياة. وجبة واحدة في اليوم كان أبو أحمد يدخرها لابنته الصغيرة منى، التي كانت نحيلة كغصن يابس لا يقوى على تحمل أعباء الحياة.
كانت منى تنظر إليه بعينيها الواسعتين وتقول بصوت خافت:
“بابا، متى سنخرج من هنا؟”
فيجيبها بابتسامة مكسورة:
“قريباً يا صغيرتي… قريباً.”
لكن ذلك “القريب” استمر سنة كاملة من الرعب، من أصوات القذائف البعيدة التي توقظهم كل ليلة، ومن همسات الجيران عن من مات ومن فُقد، ومن نظرات الزوجة الصامتة التي تعلوها أسئلة لا يملك إجابتها.
ثم، ذات صباح يشبه غيره، فُتح الطريق فجأة، كأن السماء تنفست، أو كأن العالم تذكر أنهم بشر.
وقف أبو أحمد على عتبة المنزل للمرة الأخيرة. حمل حقيبة صغيرة أخرى، لكنها هذه المرة كانت أثقل، لأنها حملت ذكرى طفولة أبنائه، وحملت صورة أحمد المعلقة على الجدار، وحملت سنة كاملة من العذاب الذي لا يُمحى.
دمعت عيناه عندما همّوا بمغادرة الحي. لم يبكِ على المنزل، بل على ابنه الذي رحل ولم يُدفن. بكى على سنة كاملة من حياته ماتت مع كل يوم مضى.
ذهبوا إلى ركن الدين ليستقروا هناك، لكنهم حملوا معهم جروحاً لا تلتئم، وآلاماً كبرى في داخلهم، وكأنهم ما زالوا هناك تحت الحصار، ينتظرون موعداً للخروج لا يأتي.










