بقلم: نورهان كردي
من الأمن العسكري إلى الأمن الشامل
اليوم، وبعد أن خمدت أصوات المدافع في معظم الجغرافيا السورية، بدأ مفهوم “الأمن” يتحول في وعي المواطن. فلم يعد الأمان يعني فقط غياب العمليات العسكرية، بل أصبح يعني أمان الرغيف، وأمان القانون، وأمان المستقبل. نحن أمام مرحلة جديدة تتطلب “أمناً شاملاً” يغطي تفاصيل الحياة اليومية، وهو ما يجعل الأمن الشامل اليوم أحد أبرز الملفات المطروحة أمام مجلس الشعب.
المواطن يبحث عن أمان المعيشة والقانون
العم أبو أحمد (متقاعد)، يقول بلهجة يغلب عليها التوجس والأمل:
«سابقاً كنا نخاف من القصف، واليوم صرنا نخاف من الغلاء وفقدان الاستقرار في العمل. الأمان الحقيقي بالنسبة لي هو أن أصحو وأنا أعرف أن راتبي يكفي لعائلتي، وأن القانون يحميني إذا تعرضت لظلم في أي دائرة حكومية. ننتظر من هذا المجلس أن يضع قوانين تضبط الأسواق، لا قوانين تزيد الأعباء على كاهل المواطن الذي أتعبته الحرب.»
أما سارة (محامية متدربة)، فترى الأمر من زاوية الحقوق والحماية القانونية:
«الأمن بالنسبة لي هو أن أشعر بأنني محمية بالقانون لا بالواسطة أو بالعلاقات. الأمن الشامل يعني عدالة انتقالية تجبر ضرر الناس، وتشريعات واضحة تنهي حالة الضبابية القانونية التي نعيشها. أريد أن أسمع من تحت قبة البرلمان أصواتاً تناقش قوانين الأحوال الشخصية، وحقوق العمال، وضمانات عدم الاعتقال التعسفي. الأمان هو أن أثق بالنظام القانوني لبلدي.»
خبراء: الأمن الشامل يقوم على أربع ركائز
إن الآمال المعقودة على المجلس الجديد لا تقتصر على المهام الرقابية التقليدية، بل تمتد إلى إحداث تحول تشريعي يعزز مفهوم الأمن الشامل، وهو ما يتطلب أدوات برلمانية جريئة.
وفي هذا السياق، قال الباحث في الشؤون الدولية وقضايا الأمن “عزيز موسى”:
«لقد تجاوزنا مرحلة “الأمن السلبي” الذي كان يقتصر على إسكات المدافع، وبات لزاماً علينا الانتقال إلى “الأمن الشامل المستدام” القائم على أربع ركائز أساسية؛ أولها الأمن القانوني والقضائي، من خلال ترسيخ الحوكمة السيادية، واستقلال السلطات، وبناء المؤسسات الأمنية لتكون في خدمة مؤسسات الدولة. وثانيها الأمن الاقتصادي، عبر استقرار الاقتصاد الوطني، ومكافحة التضخم، وتوفير فرص العمل باعتبارها ضرورة لحماية المجتمع من آثار الفقر. أما الركيزة الثالثة فهي الأمن الاجتماعي والسلم الأهلي، الذي يتطلب الانتقال الكامل إلى عقلية الدولة، مع التركيز على كشف مصير المفقودين ومعالجة الشروخ الاجتماعية للوصول إلى تقارب حقيقي بين مختلف الأطراف. وتتمثل الركيزة الرابعة في الأمن البنيوي الوطني الشامل، المرتبط بقدرة الدولة السيادية على مواجهة التهديدات الخارجية.»
التشريع والرقابة… مسؤولية مجلس الشعب
وأضاف “موسى”: «يمكن لمجلس الشعب في دورته الحالية أن يساهم فعلياً في تعزيز الاستقرار عبر أدواته التشريعية والرقابية، وذلك من خلال المبادرة إلى إلغاء أو تعديل القوانين الاستثنائية التي كانت أدوات للقمع، مثل قانون مكافحة الإرهاب وما يرتبط به من قوانين فضفاضة، واستبدالها بتشريعات عصرية تخدم مرحلة البناء والاستثمار. كما تبرز الحاجة إلى تشريع قوانين العدالة الانتقالية لضمان المساءلة وجبر الضرر، وتطوير قانون الإدارة المحلية لتعزيز صلاحيات المحافظات.
وعلى الصعيد الرقابي، لا بد من تفعيل دور حقيقي للجان الموازنة والحسابات، واعتماد آلية الاستجواب العلني للوزراء والمسؤولين لتعزيز ثقة المواطن بالدولة، إلى جانب تشكيل لجان تقصي حقائق برلمانية مستقلة وميدانية ترفع تقاريرها دون خضوع لرقابة السلطة التنفيذية.»
واعتبر “موسى” أن الفجوة الأكبر التي تعيق تحويل الاستقرار الميداني إلى شعور ملموس بالأمان في حياة المواطن اليومية تتمثل في عدم التطابق بين حالة الهدوء العسكري والواقع المعيشي والأمني اليومي، حيث لا تزال الحالة الأمنية غير مستقرة بشكل كامل، إضافة إلى وجود جماعات ما دون الدولة تستهدف المؤسسات وتعرقل فرص الاستقرار، فضلاً عن الشرخ المجتمعي والإرث الثقيل للنزاع الذي جعل المواطن في حالة ترقب دائم وخوف، وهو ما يؤكد أن الاستقرار الميداني لن يصبح أماناً ملموساً ما لم تكتمل هيكلة المؤسسات الأمنية والوطنية بشكل شامل وعميق.
الأمن القانوني يبدأ بحماية الحقوق
وللحديث عن الأمن الشامل من وجهة نظر قانونية، اعتبر المحامي “هادي بازغلان” أن التحدي الأكبر لأمن المواطن السوري حالياً يتمثل في غياب المظلة القانونية التي تحمي ملكيته، حيث تسجل حالات انتزاع للعقارات والممتلكات خارج الأطر القانونية، وبخلاف الدستور.
وأضاف: «يعود تفاقم هذه الظاهرة إلى التعامل مع جهات أو شخصيات وهمية مجهولة الهوية، مما يحول دون إمكانية الملاحقة القضائية الفعالة، ويجعل القضاء عاجزاً عن حماية المواطن من التعديات التي تتم خارج إطار مؤسسات الدولة.»
أما عن كيفية ترسيخ مفهوم الأمن القانوني، فقال “بازغلان”:
«يتحتم على السلطة التشريعية وضع ضوابط صارمة تضمن استقرار القوانين بعيداً عن التغييرات المتسارعة، مع ضرورة صياغة النصوص بلغة واضحة ومحددة، بعيداً عن العبارات الفضفاضة والمطاطية التي تفتح باب التعسف. كما يتوجب تفعيل الرقابة القضائية والتشريعية لضمان عدم انفراد السلطة التنفيذية بفرض قراراتها، مع التأكيد على وضوح العقوبات المقررة لكل فعل، بما يضمن حماية المواطن من أي تأويلات تعسفية.»
ثقة المواطن بالقضاء
وفيما يخص علاقة المواطن بالقضاء، اعتبر “بازغلان” أن استعادة ثقة الناس بالقضاء تستلزم ثورة إجرائية تُنهي البيروقراطية والروتين؛ وذلك عبر تحديث القوانين القديمة التي لم تعد تواكب العصر، وتبنّي التكنولوجيا لتسريع عمليات التبليغات والإخطارات، وزيادة أعداد القضاة والمحاكم لتقليص أمد التقاضي.
وأضاف: «إن إعادة الثقة تكمن في جعل العملية القضائية ديناميكية وسريعة، وإشراك المحامي كشريك أساسي في هذه العملية، بما يضمن حماية حقوق المواطن ومنع إهدار وقته وحقوقه في دهاليز المحاكم.»
الخاتمة
لا يطالب السوريون اليوم بوعود وردية، بل يطالبون بنصوص قانونية تلامس أمنهم اليومي، وبممارسات رقابية تحاسب المقصرين في أداء الخدمات العامة. إن جلسات مجلس الشعب ليست مجرد اجتماعات دورية، بل هي فرصة حقيقية لترجمة تطلعات السوريين إلى تشريعات ورقابة تجعل الأمن حقاً إنسانياً ومعيشياً مكفولاً بالقانون، لا مجرد غيابٍ للحرب.










