حبة بحجم زر قميص هي أقوى من انسان، تستعبده تسيطر عليه، تسلب منه عقله وإرادته، وتدفعه لتدمير حياته بيده. أليس من الظلم أن يخسر إنسان حياته من أجل سعادة يتوهم وجودها في حبة مجبولة بالشر؟
بلباسها الأسود وعينيها الشاردتين تروي “ندى” (24 عاماً) حكايتها بنبرة يملؤها الذهول:”حينما تقدم لخطبتي، لم أكن أعرف عن حقيقته شيئاً، كان شاباً في الثامنة والعشرين من عمره، يفيض حيوية، من عائلة ميسورة. ظننت بأني سأعيش حياة مستقرة. وبعد زواجنا اكتشفت بأنه يتعاطى المخدرات. أصبت بصدمة كبيرة، واجهته بحزم، تعهد بأنه سيترك هذا السم، صدقته لأنني أردت الحفاظ على بيتي”.
بعينين ملؤهما العجز والأسى تروي “ليلى” (30 عاماً) كيف دفعها إدمان زوجها إلى فراق عائلتها:
“كنا نعيش حياة هادئة، حتى دخلت المخدرات بيتنا فجأة. اقتحمت قوات الأمن منزلنا، واكتشفت بأن زوجي متورط في تعاطي وترويج المخدرات. دارت بي الأرض ولم أستوعب ما يحدث، وصدر الحكم بسجنه عشر سنوات.
فجأة، وجدت نفسي وحيدة بلا معيل، وبوصمة تلاحقني دوماً “زوجة تاجر مخدرات”، تجاوز الموقف قدرتي على التحمل، وطلبت الطلاق، تركت أطفالي عند والدتي لتعتني بهم، وتزوجت من رجل آخر، تاركة خلفي عائلة مشتتة وأطفالاً يدفعون ثمن ذنب لم يقترفوه”.
تتعدد أصناف المخدرات، وتتنوع معها أساليب العنف الأسري، حيث يتحول المتعاطي من ربّ أسرة يحمي أطفاله إلى مصدر التهديد الأول لحياتهم.
تأخذ “رنا” (29 عاماً) نَفَساً عميقاً، وتمسح دموعاً رقرقت في عينيها وهي تسترجع تفاصيل حياتها مع زوجها السابق “سامر”:
“بدأت الحكاية عندما سافر زوجي “سامر” إلى ليبيا للقتال في صفوف القوات الروسية. هناك بدأ يتعاطى حبوباً مخدرة تساعده على القتال. وحينما عاد إلى دمشق، لم يعد “سامر” الذي أعرفه كان مدمناً على “الكبتاغون”.
في منزلنا المكون من غرفة واحدة، كان يجتمع مع أصحابه ليتعاطوا المخدرات، فكان يطردني إلى الشارع لأبقى لساعات، جالسة أنا وطفلتي ذات السنة والنصف على درج شورى في حي المهاجرين في دمشق ليراني المارة شاهدين على مأساتي.
حين اكتشفتُ بأنه يقوم بسرقة بيوت الناس ليحصل على المال لشراء المخدرات، تصاعدت المشكلات بيننا وهددته بإبلاغ الشرطة، فحمل طفلتي من سريرها وخرج إلى الجبل ليهددني برميها إلى الهاوية! أخذت بالصراخ والتوسل وسط محاولات الجيران لتهدئة الموقف.
وعندما علم “سامر” بأن “رنا” حاولت الاستعانة بأحد الجيران لإدخاله مصحاً علاجياً، ثار غضبه واتهمها بالوشاية به وألقى عليها يمين الطلاق.
تتابع رنا وعيناها تملؤهما الدموع:
“كنتُ حاملاً ومتعبة وألمم حاجياتي لأغادر بيتي، لكنه منعني من أخذها وهددني بإحراق المنزل، وفجأة أشعل النار وبدأت الغرفة تحترق. لم يكتفِ بطردي، بل أمسك بي وحاول إلقائي في وسط النار وهو يصرخ: أريد أن أحرقك!. كانت ابنتي تتمسك بي وتبكي بهستيرية حتى استطعت الإفلات والهروب إلى الشارع دون حتى أن أضع حجابي على رأسي. اليوم، بعد خمس سنوات، لا تستطيع ابنتي نسيان ذلك المنظر وتعاني من مشاكل نفسية واضحة، وأنا أعمل لساعات طويلة لأعيل طفلين بلا أب”.
وتتابع “ندى” بأسى: “لم تكن مجرد نهاية علاقة، بل كانت نهاية حياةٍ، فبعد أشهر قليلة، طُرق باب المنزل طرقاً غريباً. فتحت الباب لأجد أناساً يحملونه ويدخلون به.. كان ميتاً. رحل إثر جرعة زائدة من “الكوكائين”، تاركاً خلفه طفلاً سيكبر، لن يعرف عن والده إلا ذكرى المخدرات. لقد دمرت جرعة واحدة أسرتي، وهدمت بيتي الدافئ، وأقول حافظوا على أسركم بعيداً عن شرور المخدرات”.








