مع كل منخفض جوي تتجدد مشاهد تجمعات المياه والسيول في عدد من المناطق السورية، فيما تعود فرق الخدمات والطوارئ إلى فتح المصارف وشفط المياه ومعالجة الاختناقات، في مشهد يطرح سؤالاً يتكرر مع كل هطول غزير: لماذا تعود المشكلة في المواقع نفسها رغم أعمال الصيانة والاستعداد الموسمي؟
الهطولات الأخيرة أظهرت حجم الضغط الذي تتعرض له شبكات تصريف مياه الأمطار، إذ سجلت مناطق في حلب وإدلب تجمعات للمياه وتشكلت السيول في عدد من الطرق والمناطق السكنية، الأمر الذي استدعى تدخل فرق الطوارئ لسحب المياه وفتح الطرق ومعالجة الحالات الناجمة عن ارتفاع منسوبها.
وفي حلب، ترافقت الاستجابة مع أعمال لتعزيل غرف التفتيش وتنظيف شبكات الصرف وفتح خطوط التصريف، في محاولة لاستيعاب مياه الأمطار والحد من تجمعها، بينما شهدت مناطق في إدلب تدخلات لفتح طرق تأثرت بالسيول وتجمعات المياه.
ولا تعني هذه الإجراءات بالضرورة أن شبكات التصريف غير قادرة على أداء وظيفتها، لكنها تكشف حجم التحدي الذي تواجهه عند الهطولات الغزيرة، خصوصاً في المناطق التي تتكرر فيها تجمعات المياه. وهنا تبرز عدة عوامل محتملة، تبدأ من الحاجة إلى الصيانة الدورية وتعزيل المصارف، ولا تنتهي عند قدرة بعض الشبكات على استيعاب كميات كبيرة من المياه خلال فترة زمنية قصيرة.
كما يفرض التوسع العمراني وتغير طبيعة بعض المناطق تحدياً إضافياً أمام تصريف مياه الأمطار، إذ تؤدي زيادة المساحات المعبدة والإسفلتية إلى تقليص قدرة المياه على التسرب إلى التربة، ورفع كمية المياه التي تتجه نحو المصارف والشوارع والمناطق المنخفضة.
وتكشف السيول المتكررة أيضاً أهمية تحديد ما يمكن تسميته «النقاط الساخنة» التي تتجمع فيها المياه في كل موسم، ووضع خريطة للمواقع الأكثر تعرضاً للغمر، بحيث تتحول أعمال التعزيل والصيانة من استجابة بعد بدء الهطول إلى إجراءات استباقية تسبق المنخفضات.
كما أن تكرار المشكلة في الموقع ذاته يستدعي التحقق من طبيعة الخلل: هل يرتبط بانسداد أو نقص في أعمال الصيانة؟ أم بسعة خط التصريف؟ أم بقدم الشبكة؟ أم بطبيعة الموقع وانخفاضه؟ أم بتغيرات طرأت على المنطقة نتيجة التوسع العمراني؟
وبينما تبقى أعمال فرق الطوارئ ضرورية لحماية الطرق والمنازل والمنشآت عند حدوث السيول، فإن تكرار التدخلات في المواقع ذاتها يفتح الباب أمام معالجة أكثر استدامة، تقوم على رصد نقاط تجمع المياه، وتقييم قدرة الشبكات، وصيانة المصارف والخطوط، ومعالجة الاختناقات التي تظهر خلال كل موسم مطري.
ومع استمرار الهطولات خلال الموسم، لن يكون السؤال فقط عن كمية الأمطار التي تهطل، بل عن قدرة المدن والبلدات على تصريفها، وعن مدى نجاح الإجراءات التي تُتخذ قبل المنخفضات في منع تحول مياه الأمطار إلى سيول تغلق الطرق أو تدخل المنازل.
فالمنخفض الجوي لا يصنع المشكلة وحده؛ وإنما يكشف، في كل مرة، الأماكن التي تحتاج إلى مزيد من الصيانة أو التخطيط أو تطوير البنية التحتية، ويمنح الجهات الخدمية فرصة لمعرفة ما الذي لم يعمل بالشكل المطلوب قبل أن يتكرر المشهد في المنخفض التالي.








