جامعة اللاذقية -تشرين- نموذجاً… لماذا لا يزال الحصول على وثيقة جامعية بسيطة رحلة شاقة من الإجراءات الورقية؟
في الوقت الذي تتجه فيه الجامعات حول العالم نحو التحول الرقمي وتبسيط الإجراءات الإدارية، لا يزال الطالب في الجامعات السورية، ولا سيما جامعة تشرين، يواجه رحلة طويلة ومرهقة لمجرد الحصول على وثيقة جامعية أساسية، مثل كشف العلامات، وهي وثيقة من المفترض أن يكون استخراجها إجراءً إدارياً بسيطاً لا يستغرق سوى دقائق.
لكن الواقع الذي يعيشه كثير من الطلاب يختلف تماماً عن ذلك؛ إذ قد يجد الطالب نفسه مضطراً إلى تخصيص يوم كامل لإنجاز هذه المعاملة، متنقلاً بين المكاتب والأقسام الإدارية، حاملاً ملفاً من الأوراق، وواقفاً في طوابير الانتظار، باحثاً عن هذا التوقيع أو ذاك الختم، وكأن الحصول على كشف علاماته مهمة استثنائية تتطلب اجتياز سلسلة من العقبات الإدارية.
رحلة شاقة بين المكاتب والتواقيع
تبدأ معاناة الطالب بجمع مجموعة من الأوراق والثبوتيات المطلوبة، ثم تبدأ رحلة التنقل بين المكاتب المختلفة للحصول على التواقيع والموافقات اللازمة. وكل مكتب يحيل الطالب إلى مكتب آخر، وكل توقيع يتطلب الانتظار، وقد يؤدي غياب الموظف المسؤول أو عدم وجوده في مكتبه إلى تعطيل المعاملة لساعات إضافية.
وهكذا يتحول طلب وثيقة جامعية عادية إلى مهمة تستنزف وقت الطالب وجهده وأعصابه، وقد يضطر في بعض الأحيان إلى العودة في يوم آخر لاستكمال توقيع أو ورقة لم يتمكن من الحصول عليها.
والسؤال هنا: ما المبرر الإداري لكل هذه التعقيدات؟ ولماذا لا تكون هناك جهة واحدة مسؤولة عن إنجاز المعاملة، بدلاً من تحميل الطالب عبء التنقل بين المكاتب وجمع التواقيع بنفسه؟
ورقة التبرع بالدم… شرط إضافي يثير التساؤلات
ومن بين الإجراءات التي تزيد من صعوبة المعاملة، اشتراط تقديم ورقة تثبت التبرع بالدم أو إعفاء ، وهذا يحدده بنك الدم الذي يضطر الطالب أو الشخص المفوّض من قبله باستخراج تلك الوثيقة عوضًا عنه، للذهاب خارج الجامعة وهدر وقت إضافي للحصول على وثيقة إثبات التبرع أو الإعفاء.
وهنا تبرز مجموعة من التساؤلات المشروعة:
• ما العلاقة المباشرة بين الحصول على كشف العلامات والتبرع بالدم؟
• لماذا يُربط حق الطالب في الحصول على وثيقة أكاديمية بإجراء لا يرتبط بطبيعة الوثيقة أو محتواها؟
إن تشجيع التبرع بالدم عمل إنساني ووطني نبيل، ولا خلاف على أهميته، لكن تحويله إلى شرط للحصول على وثيقة أكاديمية يطرح إشكالية حقيقية تتعلق بمدى تناسب الإجراء مع الغاية منه، وبضرورة عدم ربط الخدمات والحقوق الجامعية بإجراءات لا ترتبط بها ارتباطاً مباشراً.
فالتبرع بالدم ينبغي أن يكون عملاً تطوعياً قائماً على الرغبة والقدرة، لا عبئاً إدارياً إضافياً يُفرض على الطالب الذي يريد الحصول على كشف علاماته.
مقارنة بسيطة مع جامعات في بلدان أخرى
عند مقارنة هذه الإجراءات بما هو معمول به في العديد من الجامعات التركية -على سبيل المثال-، تظهر فجوة واضحة في مستوى الخدمات الإلكترونية وتبسيط المعاملات.
ففي الجامعات التركية، يستطيع الطالب الحصول على كشف علاماته من خلال حسابه الجامعي الإلكتروني، أو عبر أنظمة الخدمات الطلابية، حيث يمكنه الدخول إلى حسابه الشخصي، واختيار الوثيقة المطلوبة، ثم تحميلها بصيغة إلكترونية، وغالباً ما تكون الوثيقة قابلة للتحقق من صحتها إلكترونياً.
كما تتيح بعض الجامعات استخراج وثائق طلابية رسمية من خلال أنظمة حكومية إلكترونية، مثل نظام الحكومة الإلكترونية التركية (e-Devlet)، بحسب نوع الوثيقة والجامعة.
لا حاجة في هذه الحالات إلى التنقل بين عدة مكاتب، ولا إلى مطاردة الموظفين للحصول على التواقيع، ولا إلى تخصيص يوم كامل أو ربما يومين لإنجاز معاملة إدارية بسيطة.
قد تختلف الإجراءات بين جامعة وأخرى، لكن المبدأ واضح: الاستفادة من التكنولوجيا لتوفير الوقت والجهد، وتسهيل حصول الطالب على حقوقه ووثائقه دون تعقيدات غير ضرورية.
المشكلة ليست في الورق وحده… بل في عقلية الإدارة
إن ما يعانيه الطالب ليس مجرد مشكلة تتعلق بكثرة الأوراق، بل هو انعكاس لنمط إداري تقليدي لا يزال يعتمد على الحضور الشخصي والتواقيع المتعددة، حتى في المعاملات التي يمكن إنجازها إلكترونياً بسهولة.
فالطالب الجامعي ليس مجرد شخص مطالب باستكمال الأختام والتواقيع، بل هو المستفيد الأساسي من المؤسسة التعليمية، ومن واجب هذه المؤسسة أن توفر له الخدمات الإدارية بطريقة تحفظ وقته وكرامته وتراعي ظروفه.
كما أن الطالب الذي يقيم خارج سوريا، أو الذي يحتاج إلى كشف علاماته للتقدم إلى جامعة أجنبية أو استكمال دراسته أو معادلة شهادته، قد يواجه صعوبات أكبر، خصوصاً عندما يكون مطالباً بالحضور الشخصي أو بتكليف شخص آخر بإجراءات التفويض والوكالة.
وفي ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، لا يمكن تجاهل تكاليف المواصلات والإقامة والوقت الضائع، وهي أعباء إضافية لا ينبغي أن يتحملها الطالب بسبب إجراءات إدارية قابلة للتبسيط.
المطلوب لحلّ هذه المعضلة
إن معالجة هذه المشكلة لا تحتاج إلى إمكانات استثنائية، بل إلى إرادة إدارية ورؤية واضحة لتطوير الخدمات الجامعية. ويمكن البدء بمجموعة من الخطوات العملية:
1. إطلاق خدمة إلكترونية لاستخراج الوثائق الجامعية: تتيح للطالب تقديم الطلب وتحميل الوثيقة من خلال موقع الجامعة، مع اعتماد التوقيع الإلكتروني أو رمز تحقق رسمي.
2. إلغاء التواقيع غير الضرورية: مراجعة الإجراءات الحالية وتحديد التواقيع المطلوبة قانونياً وإدارياً فقط، والاستغناء عن كل ما لا توجد له ضرورة فعلية.
3. إلغاء ربط كشف العلامات بورقة التبرع بالدم: فصل الخدمات الأكاديمية عن الأنشطة التطوعية والإنسانية، بحيث لا يُحرم الطالب أو يُعطّل في الحصول على وثيقته بسبب عدم تقديم إثبات التبرع.
4. إنشاء نافذة إدارية موحدة: بحيث يتولى مكتب واحد استكمال جميع الإجراءات المطلوبة بدلاً من إجبار الطالب على التنقل بين الأقسام والمكاتب، كما هو الحال في جامعتي حلب وإدلب
5. إتاحة تقديم الطلبات عن بُعد: خصوصاً للطلاب المقيمين خارج المحافظة أو خارج سوريا، مع إمكانية استلام الوثائق إلكترونياً أو إرسالها بطرق رسمية معتمدة.
وفي الختام ، فإن الجامعة التي تسعى إلى تخريج أجيال قادرة على مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي، لا ينبغي أن تجعل أبسط خدماتها الإدارية رهينة للأوراق والتواقيع والتنقل بين المكاتب.
فكشف العلامات ليس منّة من الجامعة على الطالب، ولا امتيازاً يحتاج إلى سلسلة من الموافقات الاستثنائية، بل هو وثيقة تتضمن سجله الأكاديمي، ومن حقه الحصول عليها بإجراءات واضحة وميسّرة.
فهل يعقل أن يكون الحصول على كشف علامات في الجامعة رحلة من المعاناة، في حين يفترض أن يكون مجرد إجراء إلكتروني بسيط؟







