هبة علي – المركز الصحفي السوري
لم تعد أعباء المعيشة في سوريا تقتصر على ارتفاع أسعار المواد الغذائية والاحتياجات اليومية، بل امتدت إلى الخدمات الأساسية التي تحتاج إليها الأسر باستمرار، من الكهرباء والنقل إلى الاتصالات والتعليم والرعاية الصحية، ما يضع العائلات أمام مصروفات متزايدة يصعب الاستغناء عنها، في ظل محدودية الدخل وتراجع القدرة الشرائية.
وتكمن المشكلة في أن معظم هذه النفقات متكررة، ولا يمكن تأجيلها إلى أجل غير محدد. فالموظف يحتاج إلى وسيلة نقل للوصول إلى عمله، والطالب يحتاج إلى مستلزمات الدراسة والتنقل، فيما تضطر الأسر إلى تأمين الكهرباء والاتصالات والعلاج عند الحاجة.
ومع تراكم هذه التكاليف، تتقلص المساحة المتاحة من الدخل لتغطية بقية الاحتياجات، الأمر الذي يدفع بعض العائلات إلى الاستغناء عن خدمات أو البحث عن بدائل أقل كلفة.
الأرقام تكشف استمرار الضغوط المعيشية
تشير بيانات المركز السوري لبحوث السياسات إلى أن ارتفاع تكاليف الخدمات والسكن والطاقة لا ينفصل عن المشهد التضخمي العام. ووفق النشرة الشهرية لأسعار المستهلك عن تموز 2026، تراجع الرقم القياسي العام للأسعار بنسبة 1.9 بالمئة مقارنة بحزيران، لكنه بقي أعلى بنسبة 24.8 بالمئة مقارنة بتموز 2025. ويعني ذلك أن الانخفاض الشهري لا يشير بالضرورة إلى تحسن ملموس في القدرة الشرائية للأسر، لأن الأسعار بقيت أعلى بكثير من مستوياتها قبل عام.
وسجلت نشرة نيسان 2026 ارتفاعاً شهرياً في مجموعة التعليم بنسبة 6.3 بالمئة، وفي مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود بنسبة 6 بالمئة. كما أظهرت أن السكن والطاقة أسهما بنحو 75.7 بالمئة من التضخم الشهري خلال ذلك الشهر، ما يوضح حجم تأثير هذه النفقات في تكاليف المعيشة.
وتبرز أهمية هذه الأرقام عند مقارنتها بدخل الأسر، إذ لا يقاس العبء المعيشي بنسبة ارتفاع الأسعار وحدها، بل بمقدار ما تستنزفه من الدخل الشهري. فقد تكون الزيادة محدودة في خدمة واحدة، لكنها تصبح أكثر تأثيراً عندما تتزامن مع ارتفاع تكاليف النقل والطاقة والتعليم والإيجارات.
الكهرباء والطاقة ترفعان كلفة المعيشة
تعد الكهرباء من أبرز مصادر الإنفاق التي تواجه الأسر، خصوصاً عندما لا تكفي التغذية العامة لتلبية الاحتياجات اليومية، فتضطر إلى تحمل نفقات إضافية لتأمين الطاقة بوسائل أخرى. ولا يقتصر الأمر على قيمة الفواتير، بل يمتد إلى تكاليف تشغيل الأجهزة المنزلية وحفظ المواد الغذائية وتلبية احتياجات الدراسة والعمل.
وفي هذا السياق، أشار المركز السوري لبحوث السياسات في نشرته عن تموز إلى أن تراجع بعض مؤشرات أسعار الطاقة والنقل لم ينعكس بالضرورة بصورة كاملة على التكلفة الفعلية للخدمات، بسبب استمرار نقص بعض المشتقات النفطية والازدحام في محطات الوقود وارتفاع أسعار السوق غير الرسمية. كما سجلت النشرة تفاوتاً في الأسعار بين المحافظات، ولا سيما في قطاعات السكن والطاقة والنقل.
ويعني هذا التفاوت أن الأسر لا تواجه المستوى نفسه من التكاليف، حتى عندما تحتاج إلى الخدمات ذاتها، إذ تتأثر المصروفات بتوافر الطاقة، وطبيعة الخدمات المحلية، وتكاليف التشغيل والنقل في كل منطقة.
النقل والاتصالات من الضروريات اليومية
يمثل النقل بنداً أساسياً في ميزانية الأسر التي تضم موظفين وطلاباً يعتمدون على المواصلات بصورة يومية. ومع تكرار الرحلات، تتراكم المصروفات على مدار الشهر، وقد تتحول إلى عبء كبير لدى العائلات التي تحتاج إلى أكثر من وسيلة نقل أو تضم أفراداً يعملون ويدرسون في مناطق متباعدة.
ولا تتوقف المشكلة عند أجور المواصلات، إذ يمكن أن تنعكس تكاليف الوقود والتشغيل والصيانة على أجور النقل والخدمات المرتبطة به. كما أن تفاوت الأسعار بين المناطق يجعل تقدير المصروف الشهري أكثر صعوبة، خصوصاً لدى الأسر التي لا تمتلك بدائل مناسبة للتنقل.
أما الاتصالات والإنترنت، فقد أصبحا من الاحتياجات المرتبطة بالتعليم والعمل وإنجاز المعاملات والتواصل، وليس مجرد خدمات إضافية. وفي كانون الثاني 2026، أعلنت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات والهيئة الناظمة للاتصالات والبريد أن تحويل أسعار الخدمات إلى الليرة السورية الجديدة اقتصر على حذف صفرين من العملة، من دون زيادة في الأسعار أو تعديل الباقات المعتمدة، مؤكدة أن تقاضي مبالغ إضافية نتيجة التحويل يعد مخالفة تستوجب المساءلة.
لكن التحدي المعيشي يبقى مرتبطاً بمستوى الأسعار الفعلي للباقات والخدمات مقارنة بالدخل، وبمدى توافر الإنترنت وجودته، ولا سيما لدى الطلاب والعاملين الذين يعتمدون عليه يومياً.
التعليم والصحة بين الضرورة والقدرة على الدفع
تواجه الأسر أعباء إضافية عند تأمين التعليم، سواء من خلال الأقساط المدرسية أو النقل والقرطاسية والدروس الإضافية، فضلاً عن الاحتياجات التقنية التي تتطلبها بعض أشكال التعليم. وقد أظهرت بيانات المركز السوري لبحوث السياسات ارتفاع أسعار مجموعة التعليم بنسبة 6.3 بالمئة خلال نيسان 2026 مقارنة بالشهر السابق، في واحدة من أبرز الزيادات الشهرية المسجلة بين مجموعات الإنفاق.
ويزداد العبء لدى الأسر التي لديها أكثر من طفل في المدرسة، إذ تتكرر النفقات التعليمية عن كل طالب، ما يفرض عليها إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، خصوصاً مع تزامن هذه التكاليف مع نفقات السكن والطاقة والنقل.
وفي القطاع الصحي، تشكل تكاليف المعاينات والفحوص والتحاليل والأدوية والعلاج في المنشآت الخاصة عبئاً إضافياً، خاصة عندما يتعلق الأمر بحالات طارئة أو أمراض تحتاج إلى متابعة مستمرة. وتبرز هنا أهمية توافر الخدمات الصحية العامة بجودة مناسبة، وتعزيز الرقابة على الأسعار، وتوضيح تكاليف الإجراءات الطبية للمراجعين، بما يساعد على الحد من المفاجآت المالية التي قد تواجه الأسر.
الرقابة وجودة الخدمات جزء من الحل
لا تقتصر معالجة غلاء الخدمات على ضبط الأسعار وحده، بل تتطلب أيضاً ضمان جودة الخدمة واستمراريتها، ومراقبة الالتزام بالتعرفة الرسمية، وتوفير قنوات واضحة لتقديم الشكاوى ومعالجتها. كما تبرز الحاجة إلى نشر التعرفات المعتمدة بصورة شفافة، بما يتيح للمواطنين معرفة التكلفة الفعلية للخدمة والتمييز بين الأسعار الرسمية وأي مبالغ إضافية غير مبررة.
وتحتاج معالجة هذه المشكلة كذلك إلى دراسة العلاقة بين تكاليف الخدمات ومستويات الأجور، لأن أي انخفاض محدود في الأسعار قد لا ينعكس تحسناً حقيقياً على حياة الأسر إذا بقي دخلها غير كافٍ لتغطية احتياجاتها الأساسية.
وتبقى شهادات المواطنين والأرقام الفعلية للمصروفات الشهرية ضرورية لتحديد أكثر الخدمات استنزافاً للدخل. فمقارنة ما تدفعه الأسرة مقابل الكهرباء والنقل والاتصالات والتعليم والعلاج بما يتوافر لديها من دخل، يمكن أن تكشف حجم الفجوة المعيشية بصورة أكثر دقة، وتساعد على توجيه المعالجات نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحاً.
وبين ضرورة الحصول على الخدمات الأساسية والقدرة على تحمل تكاليفها، تواجه الأسر السورية تحدياً يومياً يتمثل في تأمين احتياجاتها من دون التخلي عن متطلبات أخرى لا تقل أهمية. وهو ما يجعل تحسين القدرة الشرائية، وتعزيز الرقابة، وضمان عدالة التعرفات وجودة الخدمات، عناصر أساسية في أي جهود تهدف إلى تخفيف الأعباء المعيشية.








