لم تعد حرائق غابات هيركاني الأثرية مجرد كارثة بيئية عابرة، بل باتت جزءًا من مشهد أوسع لجريمة منظَّمة تستهدف تصفية الثروات الوطنية الإيرانية. إن ما يحدث اليوم يتجاوز احتراق الأشجار ليصل إلى نهب المعادن، وتجفيف المنابع المائية، وتجريف التربة، في سلسلة من الجرائم التي يرتكبها نظام ولاية الفقيه.
وما دامت مقدرات البلاد ساحة مفتوحة لشبكات النفوذ ومافيا الحرس الثوري التابعة لخامنئي، فإن استنزاف هذه الموارد سيستمر بوتيرة أشد، كفعل متعمد يهدف إلى تمويل آلة القمع والمشاريع الخارجية على حساب مستقبل الأجيال.
لقد كشفت تقارير، ومنها ما تسرّب عبر الصحف الحكومية، عن حجم الدمار الذي يطال الموارد السيادية؛ ففي أواخر عام 2025 تشير البيانات إلى أن النهب لم يقتصر على «الذهب الأخضر»، بل امتد إلى خصخصة المناجم الكبرى وبيعها بأسعار زهيدة لجهات تابعة للحرس الثوري. وبينما تغيب الشفافية، تؤكد التقارير أن أكثر من 90% من عمليات تدمير الغابات واستغلال المناجم غير القانوني تتم بغطاء رسمي لإخفاء عمليات نهب أوسع للثروات الباطنية، حيث تلتهم المشاريع التي تديرها «مؤسسة تنفيذ أوامر الإمام» والحرس الثوري مئات الآلاف من الهكتارات سنويًا، محوِّلةً الأراضي الوطنية إلى إقطاعيات خاصة.
في السياق ذاته، يبرز ملف «المناجم» كأحد أخطر أوجه الفساد؛ حيث يتم تدمير الجبال والبيئة المحيطة لاستخراج المعادن النفيسة دون أدنى معايير بيئية، مما يؤدي إلى تصحر واسع وهجرة قسرية للقرويين.
إن هذا «الاستعمار الداخلي» الذي يمارسه النظام حوّل إيران من بلد غني بالموارد إلى بلد يواجه «إفلاسًا بيئيًا واقتصاديًا». وبحسب خبراء، فإن النمط المتبع أصبح مكشوفًا: يبدأ الأمر بوضع اليد على منطقة غنية بالموارد تحت ذريعة «مشاريع وطنية»، ثم يليه حريق أو تجريف متعمد لإخراجها من حماية البيئة، ثم تحويلها إلى مناجم خاصة أو مجمعات سكنية للنخبة الحاكمة.
وقد فضح ناشطون تقاعس الجهات المعنية عن حماية الثروات المائية والجوفية، حيث يتم حفر آلاف الآبار غير القانونية لصالح معامل ومصانع تابعة لمراكز القوى، مما أدى إلى جفاف البحيرات والأنهار التاريخية. هذه الوقائع تؤكد أن الجريمة منظَّمة وتتم بحماية كاملة من سلطات النظام التي ترى في ثروات إيران مجرد «غنائم حرب». إن تدمير إرث طبيعي يعود لملايين السنين، ونهب معادن هي ملك للشعب، يشكل جريمة ضد الإنسانية وإبادة ممنهجة للطبيعة الإيرانية.
إن استمرار هذا النهب في بلد تُبدَّد فيه الثروات على الصواريخ والمشاريع النووية والقمع، ليس ناتجًا عن «سوء إدارة» فحسب، بل هو نتيجة مباشرة لسياسة «الأرض المحروقة» التي ينتهجها الملالي. وسيظل التاريخ يذكر أسماء قادة هذا النظام كمدمّرين للحرث والنسل ومبددين لثروات كانت كفيلة بجعل إيران في مصاف الدول المتقدمة. إن إنقاذ ما تبقى من الكنز الوطني يتطلب بالضرورة إزاحة هذا النظام الفاسد وإقامة بديل وطني يعيد ملكية الأرض والموارد إلى صاحبها الشرعي: الشعب الإيراني.










omega89