ربما شاهد معظم السوريين اللحظة التاريخية لفتح سجون نظام الأسد، تلك اللحظة التي حبس فيها الناس أنفاسهم بانتظار خروج المعتقلين بعد سنوات من العنف والاختفاء. ومع خروج الناجيات والناجين إلى الضوء بعد سنوات من الاعتقال، وجد الإعلام السوري نفسه أمام امتحان مهني وأخلاقي حقيقي. كان من المفترض أن تتحول هذه اللحظة إلى مساحة آمنة لسرد قصصهم، وتوثيق الانتهاكات التي تعرضوا لها، وإعادة الاعتبار لكرامتهم الإنسانية. لكن ما حدث في الأيام الأولى كشف هشاشة واضحة في البنية المهنية، وغيابًا لوعي أساسي بالمعايير الأخلاقية، مقابل اندفاع محموم نحو السبق الصحفي على حساب مشاعر الضحايا وسلامتهم.
ظهرت كاميرات تلاحق المفرج عنهم في لحظات صدمة، وأسئلة تطرح دون أي تحضير نفسي، وصور تنشر دون موافقة أو مراعاة لخصوصية من خرجوا للتو من تجربة قاسية. بدا المشهد وكأنه فجوة واسعة بين ما يجب أن يكون عليه الإعلام في لحظة حساسة كهذه، وبين ما حدث فعلياً على الأرض. هذه الانتهاكات لم تكن مجرد تجاوزات فردية، بل ظاهرة تستدعي تحليلاً إعلامياً معمقاً، خاصة أن معظم مدونات السلوك ومواثيق الشرف الإعلامية تشدد على حماية خصوصية الأفراد، ولا سيما ضحايا العنف، وتلزم الصحفيين بالتحضير المسبق للمقابلات والحصول على موافقة كاملة وواضحة قبل البدء بها.
التحليل الإعلامي لهذه الظاهرة يكشف ثلاثة مستويات من الإخفاق: غياب الوعي بطبيعة الصدمة، هيمنة منطق السبق الصحفي، وضعف الالتزام بالمعايير الأخلاقية. فالصحفي الذي يقف أمام ضحية خرج للتو من تجربة تعذيب لا يمكنه التعامل معه كـ”مصدر خبر”، بل كشخص يمر بمرحلة هشاشة نفسية شديدة. الذاكرة في لحظات الصدمة تكون مضطربة، والضغط قد يؤدي إلى انهيار نفسي أو إلى روايات غير دقيقة، ما يجعل المقابلة غير المهنية شكلاً جديداً من الإيذاء بدل أن تكون وسيلة لتوثيق الحقيقة.
المجتمع المدني لم يقف صامتاً
مع تدفق الصور والفيديوهات عبر الإنترنت ومنصّات التواصل الاجتماعي، بدأت الأصوات المدنية ترتفع رافضةً هذا النوع من المقابلات التي تجرى مع الناجين في لحظات صدمة. ورغم أن مثل هذه الانتهاكات الإعلامية تكررت في سنوات سابقة، إلا أن لحظة فتح السجون جعلت المشهد أكثر وضوحاً، وكشفت حجم الخلل المهني، ما وضع التغطيات الإعلامية تحت المجهر.
العديد من الجهات المدنية المعنية بقضية الاعتقال كانت في مقدمة الرافضين، منها رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا والتي عبرت بشكل مباشر عن رفضها للممارسات الإعلامية التي تستجوب الناجين فور خروجهم، معتبرة أن هذا السلوك يعرضهم لإعادة الإيذاء ويهدد سلامتهم النفسية والاجتماعية. أما رابطة عائلات قيصر فشدّدت على ضرورة حماية خصوصية الناجين، وعدم نشر صورهم أو تفاصيلهم دون موافقة واضحة، وانتقدت التغطيات التي تعاملت معهم كـ”مواد إعلامية” بدل كونهم ضحايا يحتاجون إلى حماية ورعاية.
من جهتها، اعتبرت رابطة عائلات من أجل الحرية أن المقابلات غير المهنية تعرض الناجين للوصم الاجتماعي، وتتناقض مع مبادئ العدالة الانتقالية التي يفترض أن تراعي كرامة الضحايا وحقهم في التعافي. هذا الموقف جاء انسجاماً مع مطالب الرابطة المستمرة بضرورة التعامل مع ملف الاعتقال بجدية ومسؤولية، بعيدًا عن الاستعراض الإعلامي.
ولم تقتصر الانتقادات على الروابط الحقوقية، بل امتدت إلى منظمات سورية عاملة في مجال حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية. فقد حذر المركز السوري للإعلام وحرية التعبير من خطورة التعامل الإعلامي غير المهني مع الناجين، مشيراً إلى ضرورة الالتزام بمعايير حماية الضحايا، خصوصًا في اللحظات الأولى التي تلي خروجهم من بيئة العنف. وأكد المركز أن أي تغطية لا تراعي هذه المعايير قد تتحول إلى شكل جديد من الانتهاك، حتى لو جاءت بنوايا حسنة.
هذا الرفض المدني الواسع لم يكن مجرد رد فعل عاطفي، بل موقف مبني على خبرة طويلة في التعامل مع ملف الاعتقال، وعلى إدراك عميق لحساسية اللحظة التي يعيشها الناجون. فقد أدركت هذه الجهات أن الإعلام، حين يتجاهل المعايير الأخلاقية، لا يوثق الحقيقة بل يشوهها، ولا يدعم الضحايا بل يعرضهم لجروح جديدة.
أدلة توثق كيفية التعامل مع الضحايا
أمام هذا المشهد المربك، برزت أهمية الأدلة والدراسات التي توثق كيفية التعامل الإعلامي مع الضحايا والناجين من العنف، والتي تشكل اليوم مرجعاً أساسياً لأي صحفي يعمل في سياق حساس كالذي يعيشه السوريون. فقد قدمت الأدبيات المتخصصة إرشادات واضحة حول كيفية إجراء مقابلات تراعي الصدمة، من بينها دراسة «سرد قصتك للإعلام: إرشادات للضحايا والناجين» التي تشدد على ضرورة حماية هوية الضحية، وتجنب الأسئلة التي قد تعيد تفعيل الصدمة، واحترام رغبة الناجي في الصمت أو الامتناع عن الإجابة. كما تبرز دراسة «نصائح للضحايا والناجين من الجرائم: إرشادات للمقابلات الإعلامية» التي تركّز على أهمية التحضير المسبق للمقابلة، وتوفير دعم نفسي أثناء التسجيل، ومنح الضحية حرية اختيار ما تريد قوله دون أي ضغط أو استعجال.
وفي السياق السوري تحديداً قدمت شبكة الصحفيات السوريات كمنظمة مجتمع مدني واحداً من أهم الأدلة المهنية حول كيفية إجراء مقابلات مع الناجيات والناجين من العنف. هذا الدليل لا يكتفي بوضع قواعد تقنية، بل يقدم رؤية شاملة ترى المقابلة كفعل أخلاقي قبل أن تكون ممارسة إعلامية. وقد جاء استجابة مباشرة لحالات عديدة من الانتهاكات الإعلامية التي تعرض لها ناجون وناجيات، سواء عند خروجهم من السجون أو خلال مشاركتهم في عمليات التوثيق، ولذلك صيغ بروح تحاول حماية الضحية من أي شكل من أشكال إعادة الإيذاء، سواء كان نفسياً أو اجتماعياً أو أمنياً.
ينطلق الدليل من فكرة أساسية مفادها أن الضحية ليست “مصدرا” للمعلومات، بل إنسان يحمل جرحاً مفتوحاً، وأن الصحفي لا يملك الحق في اقتحام هذا الجرح دون إذن واضح ودون معرفة كافية بكيفية التعامل مع الصدمة. لذلك يشدد على ضرورة الحصول على موافقة مستنيرة، أي موافقة تفهم فيها الضحية تماماً ما الذي سيُسجّل، وكيف سيُنشر، ومن سيشاهده، وما هي المخاطر المحتملة. ويعتبر أن أي مقابلة تُجرى دون هذا الفهم المتبادل هي انتهاك، حتى لو لم يكن الصحفي يقصد ذلك. كما يشدد على أن للناجي/ة او الضحية الحق في التوقف في أي لحظة، وحق عدم الإجابة، وحق حذف أي جزء من المقابلة بعد انتهائها، وهي مبادئ ليست تفاصيل تقنية، بل ضمانات تمنع أن تتحول المقابلة إلى امتداد للعنف الذي تعرضوا له.
ويتناول الدليل أيضاً اللغة المستخدمة في المقابلات، محذراً من الأسئلة التي تحمل إيحاءات لوم أو تشكيك، أو تلك التي تطلب تفاصيل صادمة لا ضرورة لها. فالسؤال الخاطئ قد يعيد تفعيل الصدمة، أو يضع الضحية في حالة دفاعية، أو يجعلها تشعر بأنها مضطرة لتبرير نفسها. لذلك يدعو إلى استخدام لغة محايدة وغير استعراضية، تركز على ما ترغب الناجية في قوله، لا على ما يريد الصحفي سماعه. ويذكّر بأن الصحفي ليس محققًا ولا طبيبًا نفسياً ولا قاضياً، بل وسيطاً ينقل رواية يجب أن تُروى بكرامة.
ومن أهم جوانب الدليل تركيزه على حماية الهوية، إذ يعتبر أن إخفاء الوجه ضرورة لحماية الضحايا من الوصم الاجتماعي أو الانتقام أو الضغط الأسري. ويشير إلى أن كثيراً من الضحايا قد لا يدركون المخاطر الكاملة لنشر صورهم أو أصواتهم، ولذلك يتحمل الصحفي مسؤولية إضافية في توضيح هذه المخاطر، وحتى في رفض نشر أي مادة قد تعرّضهم للأذى، حتى لو وافقوا عليها تحت تأثير الصدمة أو الضغط.
في ذات السياق برزت الحاجة إلى إطار مهني وأخلاقي يعيد تنظيم العلاقة بين الصحفي والجمهور والمصادر. هذه الحاجة دفعت وزارة الإعلام إلى إطلاق مدوّنة السلوك المهني والأخلاقي للإعلاميين وصنّاع المحتوى لعام 2026، وهي وثيقة وُصفت بأنها “واحدة من أهم المبادرات الإعلامية في المنطقة”، ليس فقط لأنها جاءت في توقيت مفصلي، بل لأنها صيغت بمشاركة واسعة غير مسبوقة من أكثر من 1000 صحفي وصحفية من مختلف المؤسسات الإعلامية.
المدوّنة لم تُكتب خلف أبواب مغلقة، بل جاءت نتيجة خمسة أشهر من النقاشات وورش العمل التي جمعت صحفيين من خلفيات مختلفة، ناقشوا خلالها التحديات المهنية والأخلاقية التي تواجه الإعلام السوري في مرحلة ما بعد التحرير.
أحد أهم محاور المدوّنة هو حماية الخصوصية، وتشدد على أن الخصوصية حقاً أساسياً يجب احترامه في كل الظروف.
في النهاية فإن التحديات التي يواجهها الصحفيون في هذا النوع من التغطيات ليست بسيطة. فهناك ضغط الوقت، وغياب التدريب المتخصص، وبيئة سياسية واجتماعية غير مستقرة، ووجود جمهور يتوقع روايات صادمة. لكن هذه التحديات لا تبرر الانتهاكات، بل تجعل الالتزام الأخلاقي أكثر ضرورة. فالمقابلة الحساسة للصدمة تقوم على ثلاثة مبادئ أساسية: الكرامة قبل القصة، الموافقة المستنيرة، وعدم التسبب بالأذى. هذه المبادئ ليست مجرد توصيات، بل ضمانة لعدم تكرار الانتهاكات التي حدثت، ولإعادة بناء إعلام يحترم الإنسان، ويضع الناجيات والناجين في مركز العملية الصحفية، لا كأدوات للسبق، بل كشركاء في رواية الحقيقة.
بقلم : هادي يوسف











i really enjoy reading such a greate article, keep up the wonderful work, check out my site at eiffeltower-ticketparis.com
i really enjoy reading such a greate article, keep up the wonderful work, check out my site at eiffeltower-ticketparis.com