بقلم نورهان كردي
تُعدّ محافظة إدلب واحدة من أبرز المناطق السورية التي عرفت تنوعاً حضارياً ودينياً عبر قرون طويلة، إذ تعاقبت عليها حضارات متعددة تركت بصماتها في العمران والثقافة والذاكرة التاريخية للمنطقة.
وعلى الرغم من التحولات الديموغرافية التي شهدتها المحافظة خلال السنوات الماضية، ما تزال معالم هذا الإرث حاضرة في الكنائس والمواقع الأثرية والعلاقات الاجتماعية التي جمعت بين مختلف المكونات، ما يجعل من إدلب نموذجاً مصغراً عن سورية الكبيرة التي تتميز بتنوعها الديني والثقافي والحضاري.
زيارة سفير الفاتيكان لدى سوريا إلى ريف إدلب
زار سفير دولة الفاتيكان لدى الجمهورية العربية السورية “لويجي روبرتو كونا”، قريتي القنية واليعقوبية في ريف جسر الشغور الغربي، برفقة نائب وزير الداخلية اللواء عبد القادر طحان، في إطار زيارة شملت لقاءات مع مسؤولين محليين وفعاليات مجتمعية.
ودعا مدير منطقة جسر الشغور “عبد الرزاق علوش”، جميع الأهالي للعودة إلى بيوتهم وأراضيهم. مؤكداً أن سوريا الجديدة للجميع. وجرى بحث عدد من القضايا المرتبطة بالوضع المحلي وأهمية تعزيز التواصل بين مختلف مكونات المجتمع.
وأكد “خوكاز مسروب” خوري كنيسة القنية غرب إدلب بأن المسيحيون هم جزء أصيل من النسيج الاجتماعي في المحافظة قائلاً “دائما نتجه باتجاه الحوار والسلم الأهلي الذي يشكل مفتاحاً إلى قلب كل إنسان. نسعى إلى تحقيق السلام بالتعايش مع الأخوة في القرى المجاورة في محافظة إدلب هذا السلام الذي ينبع من أخلاقنا وتربيتنا ومن التعايش بين أجدادنا الذي مايزال مستمراً حتى الآن”.

إدلب تنوع حضاري وديني
تُعرف إدلب بأنها منطقة تعاقبت عليها حضارات متنوعة منذ آلاف السنين، بدءاً من الآراميين والحثيين والرومان والبيزنطيين وصولاً إلى الحضارة الإسلامية، ما ترك إرثاً ثقافياً ودينياً متنوعاً ما تزال شواهده حاضرة في عشرات المواقع الأثرية المنتشرة في المحافظة.
شواهد التنوع الحضاري والديني في إدلب
تضم إدلب جزءاً مهماً من منطقة “المدن القديمة في شمال سوريا” المدرجة على قائمة التراث العالمي، والتي تعرف أيضاً باسم “المدن المنسية”، وتضم مئات التجمعات السكانية والكنائس والأديرة البيزنطية التي تعود إلى القرنين الرابع والسادس الميلاديين، ما يعكس المكانة التي احتلتها المنطقة في تاريخ المسيحية المبكر.
وتحتضن محافظة إدلب عدداً من أبرز المعالم المسيحية الأثرية في الشرق الأوسط، من بينها دير القديس سمعان العمودي، الذي يعد من أهم مراكز الحج المسيحي في العصر البيزنطي، وكنيسة قلب لوزة التي تعد نموذجاً فريداً للعمارة الكنسية في القرن الخامس الميلادي، إضافة إلى عشرات الكنائس والأديرة المنتشرة ضمن مواقع المدن القديمة.

القرى المسيحية في إدلب جذور تاريخية وحضور مستمر
تركز الوجود المسيحي في محافظة إدلب تاريخياً في عدد من القرى الواقعة غرب المحافظة، ولا سيما قرى اليعقوبية والقنية والجديدة التابعة لمنطقة جسر الشغور، إضافة إلى وجود عائلات مسيحية في مدينة جسر الشغور ومناطق أخرى متفرقة. وينتمي سكان هذه القرى إلى طوائف متعددة، أبرزها الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك.
وقبل اندلاع الاحتجاجات في سوريا عام 2011، كان عدد المسيحيين في محافظة إدلب يقدر بعشرات الآلاف وفق تقديرات محلية وكنسية متفاوتة، فيما شكلت قرى جسر الشغور المركز الأبرز لحضورهم الاجتماعي والديني في المحافظة. وعاش سكان هذه القرى لسنوات طويلة ضمن بيئة اجتماعية مختلطة جمعت المسلمين والمسيحيين في علاقات يومية ومصالح اقتصادية مشتركة، خاصة في مجالات الزراعة والتجارة.

تراجع الوجود المسيحي خلال سنوات الحرب
مع تصاعد العمليات العسكرية واتساع رقعة النزاع، تعرضت القرى المسيحية لموجات نزوح كبيرة، خصوصاً بعد عام 2015، حيث غادر معظم سكانها إلى مناطق أخرى داخل سوريا أو إلى الخارج. وأسهمت سنوات الحرب في تراجع الوجود المسيحي بشكل ملحوظ، بعدما كانت هذه القرى تشكل أحد أبرز التجمعات المسيحية في شمال غرب البلاد.
ورغم ذلك، بقيت بعض الكنائس والمواقع الدينية قائمة، وعادت أعداد محدودة من السكان بعد تحرير سورية من نظام الأسد، في ظل محاولات للحفاظ على الطابع التاريخي والديني للمنطقة وإحياء الحياة الاجتماعية فيها.
وفي هذا السياق، تكتسب زيارة سفير الفاتيكان أهمية خاصة، إذ تسلط الضوء على واقع المسيحيين في شمال غرب سوريا، وتؤكد على البعد التاريخي والحضاري للتنوع الديني الذي عرفته إدلب عبر القرون، في وقت تسعى فيه المجتمعات المحلية إلى استعادة مظاهر الاستقرار والحفاظ على إرثها الثقافي والديني المتنوع.








