تؤكد الإحصائيات الحقوقية أن الأطفال كانوا من أكثر الفئات تضرراً خلال سنوات الثورة في سوريا. ووفقاً لتوثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قُتل ما لا يقل عن 30,293 طفلاً منذ آذار/مارس 2011، بينهم 225 طفلاً قضوا تحت التعذيب، فيما لا يزال 5,298 طفلاً رهن الاعتقال أو في عداد المختفين قسرياً.
هذه الأرقام، على فداحتها، لا تعكس وحدها حجم المأساة، إذ يواجه آلاف الأطفال أشكالاً أخرى من الانتهاك، أبرزها العنف النفسي، والنبذ الاجتماعي، وغياب الحماية القانونية.
في الخطاب الشعبي السوري، تُستخدم أحياناً عبارة “إنت لقيناكي على باب الجامع” لتأنيب الأطفال أو السخرية منهم. هذه العبارة التي انتقلت جيلاً بعد جيل بوصفها موروثاً لغوياً، لم تعد مجازاً لغوياً فقط، بل باتت تعبيراً يعكس واقعاً متكرراً. فخلال السنوات الأخيرة، تزايدت الأخبار عن العثور على أطفال حديثي الولادة متروكين أمام المساجد، أو المدارس، أو في الأماكن العامة، أو قرب حاويات القمامة.
تعكس هذه الحالات جانباً من التفكك الاجتماعي الناتج عن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية القاسية، حيث تدفع الفاقة والخوف من الوصم الاجتماعي بعض العائلات إلى التخلي عن أطفالها. إلا أن هذه الظاهرة لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع للنزاع، الذي خلّف أيضاً مئات الأطفال غير المصحوبين بعد مقتل ذويهم أو اعتقالهم أو فقدانهم أثناء النزوح.
الأطفال غير المصحوبين يُعدّون من أكثر الفئات هشاشة، إذ يعيشون دون أي سند أسري أو حماية قانونية فعلية، ما يجعلهم عرضة للاستغلال بكافة أشكاله، بما في ذلك التجنيد القسري، والعمل القسري، والتسوّل المنظم، والاتجار بالبشر. وتزداد المخاطر في المخيمات والمناطق الفقيرة، حيث تغيب الرقابة وضعف آليات المساءلة.
وتتخذ القضية أبعاداً أكثر تعقيداً في حالات نساء خرجن من مراكز الاحتجاز ومعهن أطفال لا يعرفن هوية آبائهم. إحدى هذه الحالات التي أثارت صدمة واسعة، تعود لامرأة دخلت المعتقل في التاسعة عشرة من عمرها وخرجت بعد ثلاثة عشر عاماً ومعها ثلاثة أطفال، مؤكدة أنها لا تعرف من هم آباؤهم. مثل هذه الشهادات تضع المجتمع والدولة أمام أسئلة قانونية وأخلاقية لا تزال دون إجابات واضحة.
الإطار القانوني للأطفال مجهولي النسب
في هذا السياق، يوضح المحامي خليل الخليل أن القانون السوري نظّم قضية الأطفال مجهولي النسب عبر عدة تشريعات متعاقبة، بدءاً من المرسوم التشريعي رقم 107 لعام 1970، مروراً بقوانين الأحوال المدنية، وصولاً إلى المرسوم رقم 2 لعام 2023، الذي جمع النصوص السابقة وعدّل المصطلحات القانونية، مستبدلاً كلمة “لقيط” بمصطلح “مجهول النسب”.
وينص التشريع على وجوب تسليم الطفل الذي يُعثر عليه إلى الجهات المختصة، وتنظيم شهادة ولادة له دون الإشارة إلى كونه مجهول النسب، مع اعتباره عربياً سورياً مسلماً ومولوداً في المكان الذي عُثر عليه فيه، ما لم يثبت خلاف ذلك. كما يسمح القانون بإلحاق الطفل بأسرة بديلة وفق شروط محددة، تضمن عدم التعدي على حقوقه أو تغيير نسبه الحقيقي.
ومن المنظور الفقهي، يؤكد الخليل أن الفقه الإسلامي أوجب رعاية الطفل مجهول النسب وحمايته، وحرّم التبنّي وادعاء النسب خلافاً للحقيقة، مع التشديد على حفظ كرامة الطفل وحقوقه المالية والاجتماعية.
مخاطر متصاعدة وغياب حلول فعالة
رغم وجود هذا الإطار القانوني، لا يزال التطبيق العملي يعاني من ثغرات كبيرة. فقد وثّقت تقارير حقوقية خلال عام 2023 تجنيد عشرات الأطفال، بينهم فتيات، في مناطق شمال شرق سوريا، مستفيدة من غياب الحماية وضعف المتابعة القانونية.
الأطفال الذين فقدوا أسرهم يجدون أنفسهم في مواجهة واقع قاسٍ، لا يشبه طفولتهم ولا أحلامهم، حيث يتحولون إلى أهداف سهلة لشبكات الاستغلال، أو وقوداً لصراعات لا علاقة لهم بها.
مسؤولية مشتركة
يمثل ملف الأطفال غير المصحوبين ومجهولي النسب في سوريا أزمة إنسانية مركبة، تتطلب استجابة عاجلة تتجاوز النصوص القانونية إلى إجراءات فعلية. فحماية هؤلاء الأطفال مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الدولة، والمؤسسات المعنية، ومنظمات المجتمع المدني، لضمان حقهم في الرعاية والحماية والدعم النفسي، ومنع تحولهم إلى جيل ضائع جديد في سياق نزاع لم يكن لهم فيه أي خيار.










**mitolyn official**
Mitolyn is a carefully developed, plant-based formula created to help support metabolic efficiency and encourage healthy, lasting weight management.