قبل أكثر من قرن، وتحديدا في صيف عام 1914، بدأ العالم ينزلق نحو هاوية لم يشهد لها مثيلا. لم يكن كثيرون يتخيلون أن رصاصات أطلقت في سراييفو ستشعل حربا كبرى تسقط عروشا، وتنهي إمبراطوريات، وتعيد رسم خرائط مناطق واسعة من العالم.
كانت الحرب العالمية الأولى، التي عرفت في ذلك الوقت باسم “الحرب العظمى”، أشبه بزلزال هائل ضرب البشرية، وخلف الموت والدمار في مناطق شاسعة، وامتدت آثاره السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى مختلف القارات.
حرب ظنها الجميع قصيرة
في البداية، اعتقدت الحكومات والقيادات العسكرية أن الحرب لن تستمر أكثر من بضعة أشهر، وأن الجنود سيعودون سريعا إلى بيوتهم. لكن ما حدث كان عكس ذلك تماما.
تحولت الجبهات إلى خنادق طويلة، وتحولت المساحات الفاصلة بينها إلى مقابر مفتوحة. وعلى الجبهة الغربية، اصطدم الألمان بالفرنسيين والبريطانيين في معارك استنزاف لا تنتهي. وفي الشرق، كانت الإمبراطورية الروسية تستنزف جيوشها في مواجهة القوات الألمانية والنمساوية المجرية.
أما الدولة العثمانية، التي دخلت الحرب إلى جانب ألمانيا ودول المركز، فقد فتحت جبهات واسعة امتدت من القوقاز إلى سيناء وفلسطين والعراق، ومن غاليبولي إلى الحجاز واليمن.
في غمرة هذا الجحيم، لم يكن أصحاب العروش وكبار القادة بمنأى عن الموت، بدأت الحكاية باغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند، وريث عرش الإمبراطورية النمساوية المجرية. ففي 28 يونيو 1914، اغتيل مع زوجته صوفي في سراييفو على يد غافريلو برينسيب، وهو شاب من صرب البوسنة.
بدت الحادثة في أيامها الأولى أزمة أوروبية يمكن احتواؤها، لكنها تحولت إلى الشرارة المباشرة لأزمة سياسية وعسكرية واسعة، قادت خلال أسابيع إلى اندلاع الحرب، كان اغتيال فرانز فرديناند إعلانا مبكرا بأن الحرب المقبلة لن تكتفي بحصد أرواح الجنود، بل ستغير مصير الممالك والإمبراطوريات، وتسقط العروش الواحد تلو الآخر.
سقوط القيصر ونهاية أسرة رومانوف
في روسيا، دخل القيصر نيقولا الثاني الحرب وهو يراهن على قدرة جيوشه وإمبراطوريته على الصمود. لكن الحرب استنزفت الدولة الروسية، ودفعت الاقتصاد والمجتمع إلى حافة الانهيار.
أدى الجوع والتعب والخسائر العسكرية وتفاقم الأزمات الداخلية إلى اندلاع الثورة وسقوط القيصر عام 1917. وفي يوليو 1918، أعدم القيصر السابق مع زوجته وأبنائهما الخمسة وعدد من مرافقيهم في قبو منزل بمدينة يكاترينبورغ، بأيدي قوة تابعة للبلاشفة.
لم يقتل نيقولا الثاني في معركة، لكن الحرب أسهمت في إسقاط نظامه، ووفرت الظروف التي قادت في النهاية إلى مقتله ومقتل أسرته، وإغلاق صفحة حكم أسرة رومانوف التي استمرت أكثر من ثلاثة قرون.
غرق وجه الحرب البريطانية
كان اللورد هربرت كيتشنر واحدا من أبرز رموز الحرب في بريطانيا. وتحولت صورته، التي ظهرت على ملصقات التجنيد، إلى رمز للتعبئة العسكرية ودعوة الشباب البريطانيين إلى الالتحاق بالجيش.
لكن مصيره كان الغرق في البحر. ففي يونيو 1916، اصطدمت السفينة الحربية البريطانية “إتش إم إس هامبشاير”، التي كانت تقله في مهمة إلى روسيا، بلغم ألماني قرب جزر أوركني شمال اسكتلندا، وغرقت خلال وقت قصير.
لقي كيتشنر حتفه مع معظم من كانوا على متن السفينة. وبينما كانت صورته لا تزال معلقة في الشوارع ومحطات القطارات، فوجئت بريطانيا بموت أحد أبرز وجوه حربها بطريقة كشفت أن أحدا لم يكن بعيدا عن الخطر.
في فرنسا، اغتيل جان جوريس، السياسي والكاتب الاشتراكي الذي رفع صوته ضد الحرب ودعا إلى السلام والتفاهم بين الشعوب الأوروبية.
قتل جوريس في 31 يوليو 1914، قبل أيام قليلة من دخول فرنسا الحرب، برصاص متطرف قومي فرنسي كان يرى في موقفه المعارض للحرب خيانة للوطن.
وباغتياله، فقدت فرنسا وأوروبا واحدا من أبرز الأصوات التي حاولت الوقوف في وجه الاندفاع نحو المواجهة. وكأن أصوات العقل والسلام كانت أولى ضحايا الحرب، حتى قبل أن تبدأ المعارك الكبرى.
من أبرز الشخصيات العسكرية التي قتلت خلال الحرب الطيار الألماني مانفريد فون ريشتهوفن، المعروف باسم “البارون الأحمر”.
كان أشهر الطيارين المقاتلين في عصره، ونسب إليه إسقاط أكثر من ثمانين طائرة معادية. وتحول إلى أسطورة عسكرية ورمز للدعاية الألمانية، قبل أن يقتل أثناء تحليقه فوق الجبهة الفرنسية في أبريل 1918.
كان موته حدثا كبيرا، حتى إن خصومه دفنوه بمراسم عسكرية احتراما لشجاعته ومهارته، في مشهد يعكس جانبا من تقاليد الفروسية التي ظلت حاضرة وسط وحشية الحرب.
الشعراء الذين ابتلعتهم الخنادق
لم تقتل الحرب القادة والجنود فقط، بل أودت أيضا بحياة أدباء وشعراء أصبحوا لاحقا من أبرز من وصفوا فظائعها، كان الشاعر البريطاني ويلفريد أوين من أهم الأصوات الشعرية التي جسدت معاناة الجنود داخل الخنادق، وكشفت زيف الخطابات التي قدمت الحرب بوصفها مغامرة بطولية.
قتل أوين في الرابع من نوفمبر 1918، قبل توقيع الهدنة بأسبوع واحد فقط. ووصل خبر مقتله إلى أسرته في اليوم الذي كانت فيه أجراس الكنائس تعلن انتهاء الحرب.
أما الطبيب والشاعر الكندي جون مكراي، صاحب قصيدة “في حقول فلاندرز”، فقد توفي في يناير 1918 خلال خدمته الطبية في فرنسا، نتيجة مضاعفات الالتهاب الرئوي والتهاب السحايا، كتب هؤلاء الشعراء عن الموت الذي رأوه بأعينهم، ثم أصبحوا هم أنفسهم جزءا من الذاكرة الإنسانية للحرب.
سوريا في قلب الحرب والمجاعة
لم تكن سوريا في ذلك الوقت دولة مستقلة بحدودها الحالية، بل كانت أراضيها جزءا من ولايات السلطنة العثمانية. ومع ذلك، كانت المنطقة ميدانا حقيقيا للحرب، ودفع سكانها ثمنا باهظا، جندت السلطات العثمانية أعدادا كبيرة من أبناء بلاد الشام وأرسلتهم إلى جبهات بعيدة، من القوقاز إلى العراق واليمن وقناة السويس. عاد بعضهم محطمين جسديا ونفسيا، بينما لم يعد كثيرون منهم أبدا.
وضربت مجاعة كبرى مناطق واسعة من بلاد الشام، نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها تجنيد الفلاحين ومصادرة المحاصيل وتعطل طرق التجارة والحصار البحري وغزو الجراد وسوء الإدارة والاحتكار.
ومات مئات الآلاف في بلاد الشام بسبب الجوع والمرض وسوء التغذية، في واحدة من أقسى الكوارث الإنسانية التي عرفتها المنطقة في تاريخها الحديث.
وكانت الأراضي السورية أيضا ساحة لتحركات ومعارك عسكرية، حين تقدمت قوات الحلفاء، وفي مقدمتها القوات البريطانية وقوات الثورة العربية، من فلسطين نحو دمشق، التي دخلتها في مطلع أكتوبر 1918 بعد انهيار القوات العثمانية وانسحابها.
لم تنته مأساة سوريا بانتهاء الحرب، فخلف الكواليس، كانت بريطانيا وفرنسا قد توصلتا عام 1916 إلى اتفاقية سايكس بيكو السرية، التي وضعت تصورا لتقاسم مناطق النفوذ في المشرق العربي. ووضعت الاتفاقية أجزاء واسعة من سوريا ولبنان ضمن منطقة النفوذ الفرنسي، مع ترتيبات متفاوتة بين السيطرة المباشرة والنفوذ غير المباشر، ورغم الوعود التي قدمها الحلفاء للعرب بدعم إقامة دولة مستقلة، جاءت ترتيبات ما بعد الحرب مختلفة عن تطلعاتهم.
قامت في دمشق حكومة عربية بقيادة الأمير فيصل، لكنها لم تستمر طويلا. ففي يوليو 1920، هزمت القوات الفرنسية الجيش العربي في معركة ميسلون، ودخلت دمشق، وبدأت مرحلة الانتداب الفرنسي وما رافقها من مقاومة وصراع طويل من أجل الاستقلال.
عالم ينهض من تحت الأنقاض
لم تكن الحرب العالمية الأولى مجرد سلسلة من المعارك بين الجيوش، بل كانت نقطة انهيار كبرى في تاريخ العالم، سقطت إمبراطوريات عاشت قرونا، من بينها الإمبراطوريات العثمانية والنمساوية المجرية والروسية والألمانية. وقتل ملايين البشر في الخنادق والصحارى والبحار والمدن، وعاد الناجون وقد فقد كثير منهم أطرافهم أو توازنهم النفسي أو ثقتهم بالعالم الذي عرفوه.
أما الشعوب التي اعتقدت أن الحرب ستفتح أمامها أبواب الحرية والاستقلال، فقد اكتشفت أن القوى المنتصرة كانت تعيد تقاسم مناطق النفوذ وترسم ترتيبات العالم الجديد بما يخدم مصالحها.
بقيت الحرب العالمية الأولى جرحا عميقا في ذاكرة البشرية، ليس فقط لأنها قتلت الملايين، بل لأنها فتحت الباب أمام عالم جديد من الصراعات والقوميات المتطرفة والحدود المتنازع عليها والأحقاد المتراكمة.
كما أسهمت التسويات التي أعقبتها في زرع أسباب صراعات جديدة، كان من بينها الطريق الذي قاد إلى الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى أزمات طويلة الأمد في الشرق الأوسط وأوروبا ومناطق أخرى.
ولا تزال منطقتنا تحمل بعض آثار القرارات التي اتخذت خلال تلك الحرب وبعدها، رغم أن أزمات الحاضر لا يمكن تفسيرها بتلك المرحلة وحدها، بل هي أيضا نتاج عقود من السياسات المحلية والصراعات الإقليمية والتدخلات الدولية.
لقد ظن قادة ذلك الزمن أنهم سيحسمون خلافاتهم بالبندقية، لكن البنادق أسقطت إمبراطورياتهم، وتركت للأجيال اللاحقة خرائط لم تتوقف عن النزف.
بقلم: محمد السلطان








