لا تُقاس حضارة أي أمة بما تملكه من ثروات فوق أرضها فقط، وإنما بما تستثمره من ثروات فكرية تستقر في العقول النيرة، وطاقات بشرية قادرة على البناء والإبداع. وفي ظل الظروف الصعبة التي يعيشها المجتمع، من فقر ووضع اقتصادي متردٍ وعنف أسري وكبت وضغوط نفسية، تبرز قضية الانتحار، ولاسيما بين فئة الشباب، كظاهرة تحتاج إلى فهم أسبابها والتعامل معها بعيداً عن الصمت والوصمة الاجتماعية.
الخوف داخل الأسرة
المشرفة التربوية نجاة العدي، في حديثها للمركز الصحفي السوري، ترى أن من أسباب وصول بعض الشباب إلى هذه المرحلة القلق والخوف من الوالدين، داعية الأسر إلى تخصيص وقت يومي لأبنائها، ولو لنصف ساعة، للجلوس معهم والاستماع إلى حديثهم والتحاور معهم والنظر في أعينهم والتعبير عن المحبة والاهتمام.
وتؤكد أهمية منح الأبناء مشاعر الأمان والاحتضان، وزرع الثقة والفخر والقوة في نفوسهم، بدلاً من جعل الخوف والقلق أساس العلاقة الأسرية، لأن ذلك قد يدفع الابن إلى الابتعاد عن أهله وإخفاء حقيقة ما يمر به.
كما تلفت إلى أن التمييز بين الأبناء وتفضيل أحدهم على الآخر ومقارنته بأقرانه يمكن أن يفاقم الضغوط النفسية ويؤثر في صورة الشاب عن نفسه وعلاقته بأسرته.
انفصال الوالدين وفقدان المقربين
وتشير العدي إلى أن الانفصال بين الأب والأم قد يكون عاملاً إضافياً في معاناة بعض الأبناء، خصوصاً عندما يجد الابن نفسه في حالة صراع مع واقع أسري جديد لا يستطيع تقبله أو التعامل معه، ما قد يزيد شعوره بالألم والعزلة.
كما يمكن أن يشكل موت أحد الأشخاص المقربين تجربة قاسية تترك آثاراً نفسية عميقة، ولاسيما عندما تترافق مع الحزن الشديد والاكتئاب وفقدان الاهتمام بالحياة والأنشطة اليومية.
الحديث عن الانتحار يساعد على التدخل المبكر
وترى العدي أن الحديث عن الانتحار بطريقة علمية وإنسانية لا يعني تشجيعه، بل يساعد على اكتشاف الأشخاص المعرضين للخطر في وقت مبكر، وتوفير الدعم والعلاج النفسي المناسب لهم.
وتؤكد أن طلب المساعدة ليس ضعفاً، وإنما خطوة شجاعة نحو التعافي، مشددة على أن التعامل مع الأزمات النفسية يحتاج إلى استماع واهتمام وتدخل مبكر، إلى جانب الاستعانة بالمختصين عند الحاجة.
59 حالة موثقة منذ بداية العام
وتأتي هذه الدعوات في وقت ترصد فيه بيانات محلية استمرار تسجيل حالات انتحار في سوريا. ووفق المرصد السوري، تم توثيق 59 حالة انتحار منذ بداية عام 2026 وحتى 7 أيلول/سبتمبر، مع التنبيه إلى أن الأرقام الموثقة قد لا تعكس الحجم الكامل للظاهرة، في ظل صعوبات التوثيق والتكتم الاجتماعي المرتبط بهذه القضية.
ولا يمكن التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها مجرد حالات فردية منفصلة، إذ تتداخل في الظاهرة عوامل نفسية وأسرية واجتماعية واقتصادية، ما يجعل الوقاية منها مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع والجهات المختصة.
الأسرة والمدرسة والمجتمع شركاء في الوقاية
فالاستماع إلى الأبناء، والانتباه إلى التغيرات المفاجئة في سلوكهم، وعدم الاستهانة بمعاناتهم النفسية، وفتح مساحة آمنة للحوار، يمكن أن تكون خطوات مهمة في الوصول إلى الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة قبل تفاقم أزمتهم.
كما أن توفير العلاج النفسي والطبي المتخصص، والتعامل مع الاضطرابات النفسية بعيداً عن الوصمة، يساعدان الأشخاص الذين يمرون بأزمات شديدة على تجاوزها واستعادة قدرتهم على مواصلة حياتهم.
وتبقى الرسالة الأهم أن الألم النفسي لا ينبغي أن يُواجه بالصمت أو العزلة، وأن طلب المساعدة من شخص موثوق أو مختص يمثل وسيلة للحماية وليس دليلاً على الضعف. ففي لحظات اليأس قد يبدو المستقبل مغلقاً، لكن الحصول على الدعم المناسب يمكن أن يفتح طريقاً آخر أمام الشخص الذي يمر بالأزمة، ويمنحه فرصة لتجاوز اللحظة الصعبة والتمسك بالحياة.








