أسامة عثمان – العربي الجديد
انفلات، دوليا وقانونيا، وتجرُّؤ، حتى المُزاوَدة، من الأطراف المرتكبة تلك الفظائع، في غزة المحاصَرة، منذ ما يربو على عقدٍ، وهي الأكثر اكتظاظا، في العالم، إلى دوما في الغوطة الشرقية المحاصَرة هي الأخرى منذ نحو خمس سنوات، والمُصطلية، وسائر مدن الشام، بذاك التدمير الذي لم يتوقف عند البنى السطحية والمعيشية والديمغرافية، بل طاولها إلى البنى الاجتماعية والنفسية. العالم عنها، باتت أكثر اندفاعا واطمئنانا إلى وجبات القتل اليوميِّ، تجاه الفلسطينيين، لاسيما في قطاع غزة، تقتل على الهواء مباشرة، وتتعمّد القتل، وبأعداد كبيرة. لا بدَّ أنها تزدهي بجرائم الأسد، وهو يقتل، مثلها، أبرياءَ مدنيين، أطفالا ونساء، عائلات بأكملها، وجديدها بالغازات السامّة (قُتل أكثر من 150 مدنيًّا، وأُصيب أكثر من ألف آخرين، بينهم نساء وأطفال، بحالات اختناق، حتى مساء السبت الفائت) ليس من شعبٍ مُحتلّ، لا يكترث إن لم يصدّقه أحد في ادّعائه أنه يتقاضى أجرا من جماعات معادية (كحركة حماس)، بل من شعبه هو على مقربة من العاصمة دمشق، يدّعي أنه بكليَّته أصبح جماعات إرهابية تكفيرية(!) على قاعدة الشعيرات، قبل عام تقريبا؛ ردّا على الهجوم الكيميائي على خان شيخون، في إظهار لصرامة ما مقابل خطوط سلفه الرئيس باراك أوباما الحُمْر المتراخية، لم تكن تلك الضربة علامةً على توجُّه أميركي نحو قيادة الموقف، وحتى وترامب يجدِّد تهديدَه، ويتوعّد بثمن باهظ على الهجوم الكيميائي الجديد على المدنيين؛ فلا يتوقع أن يُحدِث هذا التطور تغييرا كبيرا في الإستراتيجية الأميركية تُجاه سورية، (أو اللاستراتجية) ولا سيما وهو يتحدَّث عن انسحابٍ مُزْمَع من هناك.
لا يتوقف جيش
نعم، فلا يهمُّ الاحتلال الإسرائيلي، كثيرا، أنْ لا يصدّق الشعبُ الفلسطينيُّ المحتلّ كَذِبَه، واتهامه بأنه يبيع أرواح أبنائه، مقابل حفنة من الدولارات، تدفعه حماس، وكأنّ أهل غزة ينقصهم الدافع الذاتي لمواجهة هذا الخَنْق والتَّيئيس الذي للأسف لا تنفرد إسرائيل في مواصلته، بل تشاركها بإجراءات عقابية إضافية ستنعكس سلبا، على مجمل الأوضاع في غزة؛ وصولا إلى ترك المسؤولية عن القطاع، إذا لم تُسلِّم حماس كامل الملفَّات إلى السلطة.
أَزْيَدُ من ثلاثين شهيدا، خلال ثمانية أيَّام من مسيرة
وليس بعيدا هذا التعاطي عن فلسطين، حيث إن جديد المواقف الأميركية، بعد رفض إدانة اعتداءات الاحتلال، والاستخدام المفرط للقوة في مواجهة متظاهرين سِلْميِّين، هو وقوف المسؤولين الأميركيين في موقف مَن يُحدِّد للفلسطينيين المسافات التي لا يُقبَل منهم تجاوزُها، نحو السياج الفاصل بين القطاع وفلسطين المحتلة(!)
ولا يخفى أنّ الإخفاق الدولي، في حلّ أزمات حيوية، مِن قبيل القضية الفلسطينية، بما تمثِّله من مركزية عربية وإسلامية، وبما تمثُّله، إنسانيا وعالميا، مِن صورةٍ صارخة للعدالة المُغَيَّبة، والانحياز للمُعتدي، وتصويره، أحيانا، وكأنه الضحيَّة، يفاقم الشعور بالظلم المُؤَسّس، وضعف الثقة في مؤسسات العالم الدولية لحفظ الأمن والسلام، وعلى رأسها الأمم المتحدة التي تقف عاجزة عن إدانة تلك الاعتداءات الاحتلاليَّة، حتى ولو ببيان صحافي، وهو أدنى درجات المواقف، وكذلك، يوصَف إخفاق العالم، والدول الفاعلة، في وقف القتل والإبادة التي يتعرَّض لها الشعبُ السوري، منذ ما يزيد عن سبعة أعوام، من ثورته التي بدأت سِلْميَّة؛ لتتحوَّل، بما يشبه الاستدراج، إلى مواجهةٍ غيرِ متكافئة، ليس مع قوَّات النظام، وأجهزته الأمنية، ولكن في مواجهة مع حلفائه الإقليميِّين، مِن إيران، إلى العراق، إلى حزب الله في لبنان، ثم وأخيرا، في مواجهة دولة عظمى، هي روسيا (المجروحة في كرامتها الدولية)، بكلِّ ترسانتها المُسلَّحة التي باتت سورية مَعْرِضا لاختبارها وترويجها(!)






