دلال البزري – العربي الجديد
هذه مقاطع من رسالة وصلت إلي من صديقة دمشقية، اسمها نجوى. كتبَتها في عزّ معركة الغوطة الشرقية: كل ما يقوله الإعلام عن المعابر الآمنة كذب، وإن النظام يقتل الشبان ويرسل كبار السن والأطفال إلى إدلب، وهناك أعداد قليلة جداً عبرت فعلاً إلى أماكن إيواء في العاصمة.. وإنه تجري مفاوضات من أجل أن يخرج المسلحون بأموالهم، التي تفوق الآن 80 مليون دولار.. ثروة كبيرة كانت المعارضة المسلحة تدفع منها الرواتب للناس الذين يعيشون تحت سيطرتها في الحصار، مقابل أن يعملوا معها في حمل السلاح أو حفر الأنفاق وغير ذلك، وإن الجنود والضباط على حواجز النظام كانوا يتقاضون أموالاً طائلة للسماح للأغذية والأموال والسلاح بالدخول إلى الغوطة! إضافة إلى ما يتم تسريبه عبر الأنفاق. أتذكّر عندما كنتُ أستنجد صائحة من كوابيسي الرهيبة، كيف كانت أمي تهرع لإيقاظي وهي تقول: لا تخافي أنا هنا.. اليوم أفكّر كم نحن بحاجة كلنا إلى من يهرع لإيقاظنا من هذا الكابوس الجاثم، ويهدْهِدنا قائلاً: لا تخافوا، أنا هنا.. نجلس ونترقب صوت المدفعية أو الانفجار أو القذيفة الصاروخية التالية، أربعة، خمسة.. عشرة حتى الآن.. لا يهم الرقم. لم يعد للأرقام أهمية.. فقدتْ قيمتها، وصوت المدفعية والهاون يضرب في الروح، وراء جدار الصدر تماماً. أكتب لك على إيقاع ثلاثي القتل المتناغم: الطيران- المدفعية – الصواريخ.. أفضل حلّ لمعادلة الموت اليومي المحتمل هو أن نعتبر أنفسنا ضيوفاً على هذه الحياة. هل الموت مباشرة إثر قذيفة أو غيرها هو الأفضل والأريح من الموت الذي نعيشه مئات المرات…؟ ولدنا مرة واحدة، ونألف أن نموت أكثر من مرة في ثنائية البيت والطريق.
(…) لا جديد تحت سماء دمشق، سوى الأخبار التي تتابعينها لا شك… الأوضاع تزداد سوءاً. (…) إن أكبر كذبة هي الهدنة، المعركة محتدمة لا تهدأ ليل نهار. أخبرتني السيدة التي تأتي إلينا أسبوعياً لتنظيف المنزل أن زوجها، وهو موظف بسيط طلبوه على قائمة الإحتياط في الخدمة العسكرية، إذ إن الدولة طلبت من عمر 30 – 40 للالتحاق، وشمل هذا حتى من كان قد أدى الخدمة العسكرية.. قالت لنا السيدة إن زوجها كان يدفع للضابط المسؤول عنه 160 ألف ليرة شهرياً كي يدعه مع عائلته بدمشق، على أن يلتحق في أوقات التفتيش التي سيخبره بها! ولما سألتَها من أين تأتون بهذا المبلغ الكبير، قالت إن راتب زوجها من الدولة هو 45 ألف ليرة، والدولة أضافت 15 ألفا على الراتب لمن يلتحق بالخدمة العسكرية، وأنها كانت تكدح، هي وزوجها، طوال الشهر لتأمين 100 ألف، بحيث يأخذ الضابط 160 ألفا! وتتابع السيدة، ما حصل أنه ومنذ بداية عام 2018 أخبر هذا الضابط زوجها بأنه لم يعُد بإمكانه التستّر عليه، وذلك إثر إقالة وزير الدفاع بعد فضيحة تقاضيه رشاوى هو وكبار ضباطه من أجل إعفاء أشخاص أو التغاضي عن آخرين في موضوع الخدمة العسكرية.. هكذا التحق زوجها بقطعة عسكرية على طريق دمشق – درعا، وتقول إنها شعرت بالسعادة لأن المنطقة شبه آمنة.. ولكن فرحتها لم تكتمل، إذ تمّ أمر التحاق الفرقة التابعة لزوجها بالكتائب التي تقاتل في الغوطة، إلى جانب الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد، وكتائب
البارحة توالت القذائف في مختلف المناطق في العاصمة، محيط دار الأوبرا كان مستهدفاً بشكل كبير، منذ العاشرة والنصف بدأت القذائف بالتساقط، مكتبي القريب من النافذة تصل إليه الأصوات مروّعة. ابتعدت عن مكان جلوسي قرب النافذة، ثم لم ألبث أن هربت من المكتب إلى البهو. موظفة في دار الأوبرا سارعت إلى الخروج، خوفاً من ازدياد التصعيد. ولكن للأسف ما إن خطت نحو الباب الرئيسي، وقبل الوصول إلى سيارتها، سقطت قذيفة إلى جانبها وأدت إلى مقتلها، ولم يتمكّن الأطباء من إسعافها. وصل إلينا الخبر، ونحن محبوسون داخل مبنى مؤسستنا، المجاور لدار الأوبرا. حينها لم يعُد أحد يجرؤ على الخروج، خصوصاً أن القذائف كانت تزداد، كل ربع أو نصف ساعة قذيفة.. اتصلتُ بحرس الدار فنصحوني بعدم المغادرة، إلا عندما يحلّ الظلام، إذ قد تتوقف القذائف حينها.
مررتُ بمكتب رئيس دائرتنا فوجدتُ الباب مفتوحاً، وقد خرج الرئيس إلى حرم المؤسسة ليهدىء من روع الموظفين الصغار الذين تركوا القاعات المكشوفة، وتجمعوا في النقطة التي اعتقدوا أنها الأكثر أمناً، وهي “الكوريدور” الرئيسي.. عند عودته، دخلتُ معه المكتب، كانت الشاشة الضخمة في مكتبه مفتوحةً على برامج الفضائية
مع حلول الذكرى السابعة للثورة، ورغم كل ما حصل، لن أفقد إيماني بها، لن أقرّ بالهزيمة، لا.. لم ينتصر النظام ولم ننهزم.. إن أفضل طريقة نحيي فيها ذكرى الثورة هي أن لا ننكأ الجراح.. أن نفهم موقعنا الجديد من الصراع، وقدرتنا على التأثير فيه، المكاشفات والمراجعات الحقيقية، والتفكير بأدوات عمل جديدة، وإنتاج معرفة وخطاب جديد.. أقول هذا ليس بسبب الحال التي وصلنا إليها، بل لأن الأمل هو قوة الضعيف المستعصية على المقايضة! (…)
العصافير التي أصحو على زقزقتها يومياً، والتي لا يمكن أن تخطئ في التوقيت، هذه العصافير تمدّني بالقوة والأمل، نعم هي وحدها تنْتشلني من يأسي وإحباطي ربما. لكنها تلوذ بالصمت، تصمت فجأة عن الكلام والتحليق في هواء الصباح، ما إن تبدأ عاصفة الحديد الطائر وهديرها الفولاذي.. تشابه غير متعادل في الاسم والشكل.. جناحان من حديد، مقابل جناحين من ريش، رأس من حديد وكهرباء، مقابل رأس ومنقار من نشيد، حمولة من صواريخ وبراميل متفجرة، مقابل حبة قمح أو كسرة خبز وقشة! أنظر إلى هذه العصافير.. أتأملها من نافذة غرفتي، وأنا على يقين أنها تكلمني.. تفكّر معي في الحرب، لأن سماءها لم تعُد آمنة! (…)







