لا تُقاس أهمية الفعاليات الثقافية بعدد زوّارها فقط، ولا بحجم العناوين المعروضة، بل بقدرتها على إعادة تشكيل المجال العام وفتح مساحات جديدة للنقاش والمعرفة والتفاعل الاجتماعي. من هذا المنطلق، يأتي معرض الكتاب الاستثنائي في دمشق بوصفه حدثًا ثقافيًا يتجاوز مفهوم المعرض التقليدي، ليشكّل محاولة واعية لإعادة الاعتبار للكتاب في زمن ازدحمت فيه المنصات، وقلّ فيه التمحيص، وساد فيه الاستهلاك السريع للمعلومة.
المعرض، الذي يقام برعاية وزارة الثقافة وتحت إشراف رئاسة الجمهورية، يُنظَّم على أرض مدينة المعارض بدمشق خلال الفترة الممتدة من السادس وحتى السادس عشر من شباط، بمشاركة واسعة من نحو خمس وثلاثين دولة، وأكثر من خمسمئة دار نشر وطباعة، وبحصيلة معرفية تتجاوز مئة وخمسين ألف عنوان كتاب.
تنظيم معرفي لا شكلي
يمتد المعرض على مساحة تقارب ثلاثين ألف متر مربع، موزعة على ست صالات مغلقة، جرى تصميمها وفق تصنيف معرفي مدروس، يراعي الفئات العمرية والاهتمامات الفكرية المختلفة. ويُلاحظ هذا العام تخصيص صالات واضحة لكتب الأطفال، والتراث، والدراسات الفكرية والعلمية، والتاريخ، إلى جانب صالات خاصة بإصدارات الجهات الرسمية والوزارات المشاركة.
هذا التنظيم لا يحمل بعدًا لوجستيًا فحسب، بل يعكس فهمًا متقدمًا لوظيفة المعرض بوصفه بيئة تعليمية غير نظامية، تكمّل المدرسة والجامعة، وتقدّم المعرفة في سياق مفتوح، تفاعلي، وغير قسري.
سياسة نشر واضحة… ومعايير محددة
بحسب إدارة المعرض، لا يخضع المحتوى المعروض لسياسة حظر موسّعة، باستثناء ثلاثة أصناف محددة:
الكتب المقرصنة المخالفة لحقوق الملكية الفكرية،
الكتب التي تمجّد نظام الأسد ورموزه،
والكتب التي تمس وحدة سوريا أو تشوّه تراثها الحضاري.
وهي معايير، من منظور إعلامي، تعبّر عن محاولة لتحقيق توازن دقيق بين حرية تداول المعرفة، وحماية السردية الوطنية، دون تحويل المعرض إلى مساحة مغلقة أو انتقائية.
الثقافة بوصفها رسالة سياسية ناعمة
يحمل توقيت إقامة المعرض دلالات لا يمكن فصلها عن السياق العام الذي تمر به البلاد. ففي ظل معارك تخوضها الدولة السورية على أكثر من مستوى، يبرز هذا الحدث الثقافي ليؤكد أن المعرفة جزء من معادلة الصمود وإعادة البناء، وأن السياسة لا تُدار فقط عبر القرارات العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضًا عبر الاستثمار طويل الأمد في العقل الجمعي.
اختيار دولة قطر كضيف شرف، ومشاركة وفود رسمية وشخصيات ثقافية عربية، يمنح المعرض بعدًا دبلوماسيًا ثقافيًا، ويعكس توجهًا لاستخدام الثقافة كقناة تواصل إقليمي، أقل صخبًا، لكنها أكثر استدامة.
أكثر من 650 فعالية… وإعادة الاعتبار للحوار
يتضمن برنامج المعرض أكثر من 650 فعالية ثقافية، تشمل ندوات فكرية، ولقاءات أدبية، ومنتديات حوارية، وصالونًا سياسيًا، إضافة إلى حضور أسماء معروفة في المشهد الثقافي العربي.
هذه الكثافة في الفعاليات تشير إلى أن المعرض لا يُراد له أن يكون سوق كتب صامتًا، بل منصة حوار تعيد للنقاش العام بعضًا من عمقه الغائب.
كما جرى العمل على تأمين وسائل نقل مجانية من عدة نقاط داخل دمشق، وترتيب نقاط مماثلة لمحافظة ريف دمشق، في خطوة تهدف إلى توسيع قاعدة الوصول، وكسر الصورة النمطية عن المعارض الثقافية بوصفها نشاطًا نخبويًا محصورًا.
لماذا العودة إلى الكتاب اليوم؟
من منظور إعلامي وأكاديمي، فإن أخطر ما واجه المجتمعات خلال السنوات الماضية ليس نقص المعلومات، بل فوضى المعلومات.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الكتاب بوصفه وسيطًا معرفيًا بطيئًا، متماسكًا، قابلًا للمراجعة والتفكير، بعكس المحتوى السريع والمجزأ الذي تفرضه المنصات الرقمية.
زيارة معرض الكتاب، ولا سيما من قبل الطلاب والجامعيين، ليست نشاطًا ترفيهيًا، بل فعلًا تربويًا بامتياز. فالقراءة تعيد بناء مهارات التحليل، وتدرّب العقل على الربط والاستنتاج، وتمنح الفرد أدوات لفهم الواقع بدل الاكتفاء بردود الفعل عليه.
أما على المستوى المجتمعي، فإن إعادة الاعتبار للكتاب تمثل خطوة أساسية في إعادة ترميم الثقة بالمعرفة، بعد سنوات من التسييس المفرط، والاستقطاب، وتضخم الخطاب الانفعالي.
عنوان يلخص الرسالة
يحمل المعرض هذا العام عنوان: «تاريخ يُكتب… تاريخ يُقرأ»، وهو عنوان يتجاوز الشعار إلى الدلالة. فالتاريخ لا يُصنع فقط بالأحداث، بل بكيفية فهمها وتوثيقها ونقلها. والقراءة، في هذا المعنى، ليست فعلًا فرديًا، بل مساهمة غير مباشرة في صناعة المستقبل.
في دمشق، يعود الكتاب ليشغل مكانه الطبيعي في النقاش العام، لا باعتباره رمزًا ثقافيًا فحسب، بل كأداة عقلانية لإعادة بناء الإنسان، وهو الشرط الأول لأي مشروع وطني قابل للحياة.
بقلم: حسن البشش










i enjoy reading your articles, it is simply amazing, you are doing great work, do you post often? i will be checking you out again for your next post. you can check out webdesignagenturnürnberg.de the best webdesign agency in nuremberg Germany