حكم الإسلاميين، والإجهاز على تجربتهم في مصر، وعانوا الأمرّين في تونس، وصادفوا مصاعب جمة في المغرب. وفي المقابل، تم تهميش التيارات الليبرالية والعلمانية واليسارية، بعد أن فقدت كثيرا من مصداقيتها، بسبب وقوف بعضها مع الثورات المضادّة، أو تزكيته لها.
لقد أظهرت دروس “الربيع العربي” كثيرا من عيوب الأحزاب والتنظيمات الإسلامية واليسارية، لكنها في المقابل أحدثت تحولا أيديولوجيا كبيرا عند بعض الحركات الإسلامية التي كانت تتبنّى فكرة إنشاء دولة إسلامية، فأصبحت تدافع عن فكرة الدولة المدنية. وفي المقابل، دفعت قوى يسارية إلى الانفتاح على التيارات الإسلامية ومحاورتها.
وأخيرا، حتى وإن لم تكن ثورات الربيع العربي قادرة على تحقيق ما قامت من أجله، بفعل القمع الوحشي الذي واجهها من أنظمة الاستبداد، فإنها، من جهة أخرى، فتحت الطريق إلى مستقبل مختلف لبلداننا. ومازال ضروريا أن ننتظر وقتاً معيّناً قبل تحديد طبيعة ذلك المستقبل. ذلك أننا ما زلنا في هذه اللحظة، ونحن على أهبّة إقفال العام السادس لقيام هذه الثورات، في قلب المعركة.
وعلى الرغم من كل ما نشهده من حروب وحروب أهلية وتدخلات خارجية من جميع الجهات والاتجاهات، فالأكيد أنه لن يعود هناك مستقبل في بلداننا لأنظمة الاستبداد، بأسمائها وصيغها القديمة المختلفة. ويجب أن ننتظر إلى أن تسكت المدافع، وتتوقف الحروب، وأن تهدأ الشوارع، وتخفت أصوات المتظاهرين، لتبدأ القوى المعنيّة بالتغيير باستعادة أنفاسها والارتقاء بوعيها ووضع برامج طويلة النفس للنضال الديمقراطي السلمي، يهدف إلى بناء مشروع وطني ديمقراطي مشترك، قائم على التعددية والتنوع في دولةٍ مدنيةٍ حديثة، تقوم على الفصل الواضح بين الدين والدولة، وإعطاء لكل منهما الدور الذي يعود له داخل المجتمع.