أثار وباء كورونا هزة كبرى في الأسواق وغير تحاولان استغلال الوضع من أجل إعادة تصميم السوق من خلال تخفيض الأسعار بل وإعادة تصميم الشرق الأوسط أيضاً.
أمل السعودية
كل شيء بدأ بتفجر المفاوضات بين الرياض والكرملين على تنسيق الأسعار. فقد أملت السعودية أن يوافق الرئيس فلاديمير بوتين على استئناف الاتفاق الذي يتقلص في إطاره إنتاج النفط العالمي كي تستقر الأسعار في ضوء انعدام الطلب. ولكن روسيا التي تخوفت أغلب الظن من أن مثل هذه الخطوة ستعزز قطاع الطاقة الأمريكي، رفضت استئناف الاتفاق. وعقدت في الشهر الماضي قمة وزارة في فيينا في محاولة لاستئناف الاتفاق، ولكنها تفجرت. مهما يكن من أمر، فإن تفجير المحادثات بين الأطراف أدى بالسعودية لأن تخفض الأسعار من طرف واحد في محاولة لدفع الدول الأوروبية على أن تستورد منها بدلاً من روسيا. إذ يمكنها أن تسمح لنفسها باحتمال المخاسر، سواء بسبب ثرائها العظيم أم بسبب كلفة الإنتاج الزهيدة نسبياً لديها. روسيا هي الأخرى خفضت الأسعار بشكل كبير، وذلك منعاً لمصدري النفط الأمريكيين من الحصول على نصيب آخر من السوق. وسواء خسرت روسيا أم السعودية مرابح كبرى في المدى القصير كان يمكنهما أن تجنياها لو نسقتا الأسعار، ولكن يبدو أن الرياض وموسكو على حد سواء تنظران في المدى البعيد إلى عصر ما بعد كورونا. بالنسبة للسعودية، تعد هذه حرباً استراتيجية على مستقبل الشرق الأوسط. فروسيا لا تزال إلى جانب إيران: الكرملين يرفض المشاركة في العقوبات الشديدة على طهران، وعملياً ينقذ نظام آيات الله من خلال التجارة معه، ولا يزال معنياً بإنقاذ الاتفاق النووي.
كما أن روسيا لا تزال تدعم نظام الأسد، بينما السعودية تريد إسقاطه. الانتصار على روسيا في الشرق الأوسط سيحقق للسعودية أكثر بكثير من كل ما يمكن لبرميل النفط أن يفعله، ولهذا فإنها تشعر بأن بوسعها أن تسمح لنفسها في هذه اللحظة أن تتضرر في المدى القصير. “حروب أسعار النفط ستغير قواعد اللعب في الشرق الأوسط”، كما نقل عن مستشار كبير للأسرة المالكة السعودية في مقال صدر عن معهد “غيتستون”. وعلى حد قوله، فإن “الروس متعلقون بمداخيل النفط لتمويل أعمالهم العسكرية في سوريا، وإذا ما انهارت هذه المداخيل فلن يتمكنوا بعد اليوم من السماح لأنفسهم بهذه الحروب”. ولكن كما أسلفنا، فإن روسيا مستعدة هي أيضاً لأن تأخذ هذه المخاطر وألا تنسق هذه الأسعار مع السعودية لأسبابها الخاصة، وهي أيضاً ترتبط بمسائل جغرافية – سياسية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. ففي السنوات الأخيرة، رأت روسيا كيف تستغل الولايات المتحدة ارتفاع الأسعار كي تحقق الأرباح عن طريق النفط، وتحديداً من خلال الدفاع قدماً بصناعة مشتقات الزيت كبديل عن النفط الخام. وهكذا، بشكل غير مباشر، دعمت موسكو والسعودية عملياً صناعة مشتقات الزيت وقدمتا على طبق من فضة سوق الطاقة العالمية إلى الولايات المتحدة. وعليه، فإن روسيا تستغل أزمة كورونا كي تجعلها ميزة لها أيضاً: استغلال انهيار أسعار النفط للضغط على ترامب لتخفيف حدة العقوبات على موسكو.
منطق بوتين
إن منطق بوتين هو استغلال الأزمة وتحويلها إلى فرصة: من يتضرر أشد الضرر من انخفاض أسعار النفط هو قطاع مشتقات الزيت، التي أصبحت سلاح الولايات المتحدة المحطم للتوازن. ونتيجة لذلك، يتعرض الرئيس ترامب لانتقاد متزايد من أكثر مؤيديه في الاقتصاد الأمريكي. لقد بدأ وضع ترامب في تكساس يهتز مؤخراً بسبب انهيار سوق الطاقة. مهما يكن من أمر، يبدو أن روسيا والسعودية لن تنجحا في الانتصار على السوق نفسها. فحتى الأسعار الدون التي يعرضانها لن تؤدي بالطائرات لأن تطير مرة أخرى ولا السيارات أن تتحرك على الطرقات، طالما استمرت أزمة كورونا.
في المدى القصير، كلتاهما تأملان في حشر الولايات المتحدة في الزاوية، وفي سنة الانتخابات الحالية، يبدو أن ترامب سيكون الأكثر هشاشة إذا ما استمر الوضع الحالي.
بقلم: ايرز لين
القدس العربي










