مع بداية فصل الشتاء، عاد ملف التدفئة لقبلة اهتمام السوريين، خاصة في المناطق الريفية ومخيمات النزوح، حيث ترتبط وسائل الدفء ارتباطًا وثيقًا بالقدرة على تأمين أدنى مقومات العيش.
وفي 11 نوفمبر 2025، أصدرت وزارة الطاقة السورية قرارًا رسميًا بتخفيض أسعار مشتقات المحروقات، تشمل البنزين والديزل وأسطوانة الغاز المنزلي، بنسب تصل إلى 30%، في خطوة تهدف — حسب تصريحات الوزارة — إلى تخفيف عبء المعيشة مع اقتراب الشتاء.
إلا أن هذا القرار، رغم ما يحمله من وعد مبدئي، يُثير تساؤلات: هل تكفي هذه الخطوة لتخفيف المعاناة التي يعيشها آلاف الأسر؟ وهل وصلت هذه التخفيضات فعلياً إلى الفئات الأشد حاجة؟
شهادات: لا مازوت ولا بدائل آمنة
في قرية حتان الجبلية، تقف أم أحمد “ناديا عبد الرحيم”، أرملة خمسينية ومصابة بالربو، عاجزة عن الاستعداد لفصل الشتاء. تقول: “ما عنا لا مصاري ولا وسائل تدفئة. مثل كل سنة، بنعتمد على صوبة الحطب، بس هي مو آمنة لإلي، لأني مريضة ربو.”
في الشتاء الماضي، لجأت أم أحمد إلى وسائل بديلة: “كنا نجيب ورق “الزرود”، يعني ورق الزيتون اليابس، حتى لو كان بيطالع دخان وبيضرني. بس هالسنة حتى هالشي ما قدرنا نجيبه.”
وتوضح ام احمد تعليقاً على قرار التخفيض: “سمعنا إنه نزل سعر المازوت والغاز، بس شو الفائدة؟ ما عنا مصاري نشتري فيهم. بدون دخل ثابت، ما فينا نشتري شي.”
يعيش ” محمد الأمين ” (48 عامًا)، في حي شعبي بإدلب، أبٌ لخمسة أولاد ويعمل مستخدمًا براتب لا يتجاوز 150 دولار شهريًا. يقول إن التدفئة بالنسبة له ولأسرته معركة سنوية: “كل شتوية بنلم كراتين، أكياس نايلون، أحيانًا تياب وبواط قديمة، وبنحرقها. بنجيب طون أو نص طون حطب ونقسطه على قد ما بنقدر ليكفينا للشتوية، لأنه راتبي ما بيكفي شيء، وبيتي بآخر طابق.”
لا يرى أبو حمدو في قرار التخفيض حلاً حقيقيًا: “صح نزل السعر، بس بدنا صوبة بـ100 دولار، وإذا مو أكتر، وبرميل المازوت لحالو حقه مبلغ كبير، مستحيل أقدر عليه. مع هيك بظن إنه أرخص من الحطب، بس ما بقدر أوصل له.”
اما في مخيم دير حسان، حيث تعيش “أم نصر” ظروفًا معيشية قاسية بعد أن فقدت زوجها المريض خلال السنوات الماضية، تقول: “زوجي كان كبير ومريض، ضليت خمس سنين أعالج فيه قبل ما يتوفى، واليوم عايشة بالمخيم مع ابني وبنتي الصغيرة”.
تحاول “أم نصر” تدفئة نفسها وولديها بصوبة حطب استعارتها من أهلها: “بيتي ما فيه لا باب ولا شباك، غطّيته بجوادر وقعدت فيه. كنت أتمنى يكون عندي صوبة مازوت، بس ما فيني أشتغل لأمن حقها”.
وتوضح أن أهالي المخيم يستخدمون ما توفر من وسائل التدفئة: “الناس هون في منهم ركبوا صوبات فستق أو حطب، بس الغالبية بتفكر بالمازوت لأنه صار أرخص شوي، خاصة إنو سعر كيلو الفستق غلي أكثر. أنا لسا ما ركبت شي “.
الوزارة: تخفيض الأسعار لتخفيف الأعباء… لكن لا دعم إضافي حاليًا
أوضح مدير دائرة الإعلام في وزارة الطاقة، عبد الحميد سلات، أن قرار تخفيض أسعار المحروقات، الصادر في 11 تشرين الثاني 2025، جاء بهدف تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين وتنشيط الحركة الاقتصادية، بعد تحسن نسبي في التوريدات والإنتاج المحلي. وأكد أن الكميات الموضوعة ضمن خطة التوزيع “كافية لتغطية احتياجات الشتاء”، مع برامج توريد يومية وأسبوعية تضمن استمرارية التوزيع لجميع المحافظات.
كما أشار إلى أن “جميع محطات الوقود وُجّهت بالتقيد الصارم بالتسعيرة الجديدة”، وسط رقابة ميدانية إلكترونية لضبط أي مخالفة. في المقابل، أقرّ بوجود تحديات مستمرة أبرزها تضرر البنية التحتية، وضبط الاستهلاك، وتقلبات أسعار الطاقة عالميًا، موضحا أنه لا توجد حالياً خطط لدعم إضافي أو تخفيضات جديدة.
قراءات إعلامية متباينة… والمواطن ما زال في قلب البرد
لم يمرّ قرار تخفيض أسعار المحروقات مرور الكرام في الإعلام المحلي والعربي، إذ تناولته تقارير متعددة بقراءات متباينة. ركزت صحيفة الوطن على أنه خطوة لتخفيف الأعباء على المواطنين وتحفيز السوق، بينما أشار تقرير الجزيرة نت إلى ضعف تأثير القرار الفعلي على الفئات الأشد فقرًا، مستشهدًا بتعليقات الناس على منصات التواصل التي اعتبرت أن التخفيض لا يغيّر شيئًا “طالما لا قدرة على شراء المادة أساسًا”.
بالرغم من قرار تخفيض أسعار المحروقات، لا تزال التحديات أكبر من أن تُحل بقرارٍ اقتصادي، خاصة في المناطق التي شهدت حركة عودة جزئية للنازحين.
وبحسب تقرير صادر عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، فإن نحو 1.1 مليون شخص عادوا إلى مناطقهم داخل سوريا، إلا أن غالبيتهم عادوا إلى بلدات ومدن تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
رغم تخفيض الأسعار، ما زال الدفء بعيد المنال عن كثير من العائلات السورية. وبين ضعف القدرة الشرائية وغياب الدعم، يبقى الدفء حلمًا مؤجلًا للسوريين وتحديًا قاسيًا يتجدد كل عام










