سوسن جميل حسن – العربي الجديد مع كل الشعارات المطروحة التي كانت تُدرس، من أول الصفوف التعليمية في المدارس حتى محاضرات الجامعات، مع أقوال الرئيس الخالد، فلا الشعب عرف ما هي الديموقراطية ولا الحرية ولا العدالة الاجتماعية ولا العلمانية، بل كانت كلمات وجملاً صماء، على الأجيال أن تردّدها مثل الصلوات، ولا النظام السياسي مارسها لتكون ممارسته دروسًا تطبيقية يفهمها الشعب. لم تدخل هذه المقولات التي يتأسس عليها الوعي الجمعي في الدول التي يتمتع أفرادها بكل الحقوق الإنسانية منظومة القيم والمعارف لدى شعوبها فجأة أو بالقسر والإكراه، إنها ثقافة نضجت خلال الزمن ومع التجارب، سبقها عصر تنوير، ودفعت الشعوب كثيرًا بتجارب مريرة، حتى رسخت هذه المفاهيم والقيم، فصارت ركنًا أساسيًا من وعيها وسلوكها. يتغير، ليتلاءم مع منهج الحياة التي اعتادوا عليها في سورية، وليسوا مستعدين لأن يتنازلوا قليلاً ليحققوا حالة من الاندماج، علمًا أن غالبية الشعب الألماني يتفهمون محنتهم، ويتفهمون ثقافتهم ويتقبلونها وينفتحون عليها، ولا يشكل العنصريون المتعصبون والمتحفظون تجاه اللاجئين، أو الرافضون لهم، إلا نسبة قليلة، على الرغم من أن هذه الشريحة من العنصريين تنمو بعض الشيء، ويزداد عدد مؤيديها. ولا يمكن إنكار الممارسات العنفية التي تقوم بها جماعاتٌ تنحدر من الإسلام الجهادي المتطرّف ضد تلك الشعوب.
يمكن القول إن العلمانية مفردة تداولها الناس كثيرًا، من دون أن يعرف معظمهم معناها أو مدلولها، بل هي بالنسبة إلى الغالبية من أفراد
التناقض الذي عاشه
وعلى مستوى اللاجئين هناك سلوكياتٌ عدائيةٌ تجاه الألمان، رافضة عاداتهم وأساليب حياتهم، وتحاول التدخل في منظوماتهم القيمية وطرق عيشهم. ولو مُنح السوريون فرصة التنوير والعيش بكرامة، واحترامٍ لحقوقهم بما يجعلهم يشعرون بإنسانيتهم وبدورهم المهم في الحياة، وأنهم غير محاصرين في الهوامش الضيقة، ربما عاشوا بمنطق العلمانية قبل أن يفهموها، ولكانوا استنبطوها من تلقاء أنفسهم، فعند الاطلاع على الواقع السوري في الفترة الذهبية، بعد جلاء الفرنسيين وفي بداية المشاريع النهضوية الحالمة، يمكن ملاحظة أن المجتمع السوري كان، إلى حد ما، يمارس علمانيته الخاصة، لكن النكبات والنكسات التي ابتلي بها، والانقلابات العسكرية والحكم بأنظمةٍ شموليةٍ قمعيةٍ كل ما كان يهمها عدم الاقتراب من عرشها، والباقي كله مباح، حتى لو تحول المجتمع إلى كتلةٍ بشريةٍ، يضبط حياتها رجال الدين وأعراف القبيلة وضوابط الطائفة، أدى إلى نكوص المجتمع السوري، وانقسامه غير المعلن إلى فئات وطوائف وشرائح، تضمر مشاعر سلبية ضد الآخر، وكلها تعيش تحت رحمة مظلوميةٍ تاريخيةٍ أو معاصرة، من طائفية ومذهبية وقومية.
العلمانية، كما تظهر تجارب شعوب كثيرة بنت دولها، وازدهرت أممها، هي الحل الأكثر ملاءمةً للعيش المشترك في بلدٍ متعدّدٍ قوميًا وعرقيًا ودينيًا وطائفيًا مثل سورية، أظن أنها الهدف الأكثر ضرورةً لبناء سورية بعد قيامتها.






