مع اقتراب فصل الشتاء، تتزايد الأعباء المعيشية على الأسر السورية التي تجد نفسها أمام تحديات متجددة لتأمين احتياجاتها الأساسية، في ظل ارتفاع تكاليف التدفئة والمواد الغذائية والنقل، وتراجع القدرة الشرائية، ما يضع كثيراً من العائلات أمام خيارات صعبة لتدبير نفقاتها اليومية.
ولا تقتصر المخاوف على تأمين المازوت أو الحطب لمواجهة البرد، بل تمتد إلى القدرة على توفير الغذاء والدواء والملابس الشتوية ومستلزمات المدارس، في وقت لم تعد فيه دخول كثير من الأسر تتناسب مع المصروفات المتزايدة، الأمر الذي يدفعها إلى تقليص نفقاتها وتأجيل بعض الاحتياجات.
التدفئة.. أولوية تفوق قدرة الأسر
تتصدر تكاليف التدفئة قائمة المخاوف مع انخفاض درجات الحرارة تدريجياً، إذ بات تأمين الوقود اللازم لتشغيل المدافئ عبئاً إضافياً على ميزانيات الأسر، ولا سيما العائلات ذات الدخل المحدود التي تحتاج إلى المفاضلة بين احتياجاتها الأساسية.
وفي هذا السياق، نقلت وسائل إعلام محلية شكاوى مواطنين في مناطق شمال شرقي سوريا من ارتفاع أسعار المحروقات وصعوبة تأمين المازوت المخصص للتدفئة. ووفق تقرير نشرته وكالة أنباء هاوار في 10 تشرين الأول، بلغ سعر برميل مازوت التدفئة في المنطقة نحو ثلاثة ملايين ونصف المليون ليرة سورية، فيما وصل سعر طن الحطب إلى نحو 350 دولاراً، في حين لا يتجاوز دخل بعض الأسر 1.2 مليون ليرة شهرياً.
وتدفع هذه التكاليف المرتفعة بعض العائلات إلى البحث عن بدائل أقل كلفة، وسط مخاوف من اللجوء إلى وسائل تدفئة غير آمنة، في حال تعذر شراء الوقود الكافي لتجاوز أشهر الشتاء.
ولا تقف المشكلة عند أسعار المحروقات، إذ إن ارتفاع تكاليف الكهرباء وصعوبة تشغيل المدافئ الكهربائية لساعات طويلة يزيدان من الأعباء، بينما يفرض استخدام وسائل التدفئة البديلة تحديات تتعلق بالسلامة وجودة الهواء داخل المنازل.
ارتفاع الأسعار يضغط على الاحتياجات اليومية
تتزامن هذه المخاوف مع استمرار الضغوط على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، ما يجعل تأمين الاحتياجات اليومية أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأسر التي تحاول توزيع دخلها المحدود على متطلبات متعددة.
وفي محافظة الرقة، تحدث مواطنون لوسائل إعلام محلية عن انعكاسات ارتفاع تكاليف الوقود والنقل على أسعار السلع. وقال نورس احمد للمركز الصحفي السوري إن سعر زيت الطهي ارتفع من نحو 85 ألف ليرة سورية إلى 110 آلاف ليرة، فيما تجاوز سعر كيس السكر 100 ألف ليرة بعد أن كان يقارب 90 ألفاً.
وربط ارتفاع أسعار عدد من السلع، ولا سيما الخضار والمواد التي تُنقل من مناطق أخرى، بزيادة تكاليف النقل، مشيراً إلى أن أجور نقل الحمولة ارتفعت من نحو 200 دولار إلى قرابة 400 دولار.
وتعكس هذه الشكاوى حجم الترابط بين أسعار الوقود وتكاليف النقل وأسعار السلع، إذ لا يقتصر أثر ارتفاع المحروقات على أصحاب السيارات ووسائل النقل، بل يمتد إلى المستهلكين الذين يتحملون جزءاً من الزيادة في أسعار المنتجات والخدمات.
ومع اقتراب الشتاء، تضاف إلى هذه النفقات تكاليف شراء الملابس والأحذية الشتوية، إلى جانب مستلزمات التدفئة، ما يضطر بعض الأسر إلى تأجيل مشتريات أو الاستغناء عن احتياجات غير عاجلة لتوفير المال للمواد الأكثر ضرورة.
المحروقات تزيد المخاوف من موجة غلاء جديدة
شهدت أسعار المشتقات النفطية في سوريا تعديلاً خلال أيلول الماضي، إذ حددت النشرة الرسمية الصادرة عن اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية، اعتباراً من 13 أيلول، سعر ليتر المازوت بـ175 ليرة سورية جديدة، والبنزين 95 بـ195 ليرة، والبنزين 90 بـ185 ليرة، والغاز المنزلي بـ1600 ليرة.
وبررت وزارة الطاقة تعديل الأسعار بارتفاع تكاليف تأمين المشتقات النفطية عالمياً، بالتزامن مع أعمال الصيانة الشاملة في مصفاة بانياس وزيادة الحاجة إلى استيراد المنتجات النفطية الجاهزة، مؤكدة أن الإجراء مؤقت ويهدف إلى ضمان استمرار الإمدادات.
لكن انعكاسات ارتفاع أسعار الوقود لا تتوقف عند تكلفة التدفئة، إذ يمكن أن تنعكس على أجور النقل وتكاليف توزيع المواد الغذائية والسلع، وهو ما يزيد مخاوف المواطنين من ارتفاع إضافي في نفقات المعيشة خلال الأشهر المقبلة.
وتظهر شكاوى المواطنين في الأسواق أن المشكلة لا تتعلق بسعر سلعة واحدة، بل بتراكم المصروفات اليومية، من الطعام والنقل إلى التدفئة والدواء، في وقت تحتاج فيه الأسر إلى موارد مالية أكبر لتغطية احتياجاتها مع بداية الموسم الشتوي.
المواطنون بين الدخل المحدود وتعدد الاحتياجات
أمام هذه الظروف، يجد كثير من المواطنين أنفسهم مضطرين إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وتحديد الاحتياجات التي لا يمكن الاستغناء عنها، مقابل تأجيل مشتريات أخرى إلى حين تحسن الظروف المعيشية.
وتزداد صعوبة هذه المعادلة لدى الأسر التي تضم أطفالاً أو أشخاصاً يحتاجون إلى رعاية صحية مستمرة، إذ لا يمكن الاستغناء عن الدواء أو الاحتياجات المدرسية، فيما تتطلب التدفئة خلال الشتاء إنفاقاً إضافياً لا تستطيع بعض العائلات تغطيته بسهولة.
وتبرز هنا الحاجة إلى معالجة الأعباء المعيشية من جوانب متعددة، تشمل تحسين القدرة على تأمين المحروقات بأسعار تتناسب مع دخول الأسر، ومراقبة الأسواق والحد من المخالفات، وضمان توفر المواد الأساسية، إلى جانب توسيع نطاق المساعدات الموجهة إلى الفئات الأكثر احتياجاً.
ومع اقتراب الشتاء، يبقى التحدي الأساسي أمام الأسر السورية هو تأمين الحد الأدنى من احتياجاتها من دون أن يتحول توفير الدفء إلى عبء على حساب الغذاء والدواء وسائر متطلبات الحياة اليومية.








