رجحت لجنة فنية مشتركة أن تكون ظاهرة الأبخرة التي ظهرت مؤخراً في منطقة جبل كوكب شرق مدينة الحسكة ناجمة عن عوامل بشرية، وذلك بعد استكمال الكشف الميداني ودراسة طبيعة المنطقة الجيولوجية والبنيوية والتكتونية والزلزالية.

وضمت اللجنة خبراء من المركز الوطني للزلازل، وإدارة الاستجابة للمواد الخطرة في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، والمؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية في وزارة الطاقة، حيث جرى تحليل المعطيات الميدانية ومقارنة طبيعة الانبعاثات بخصائص المنطقة ومكوناتها.
وخلص التقرير الفني إلى أن الاحتمال الأرجح لظهور الأبخرة يرتبط بوجود مكب للنفايات في الموقع، تعرض للطمر بواسطة سواتر ترابية، مع وجود اختلاف في طبيعة وتركيب المواد المطمورة تحت تلك السواتر، إضافة إلى تسجيل عمليات حرق حديثة في المنطقة، ما يرجح أن تكون الأبخرة والانبعاثات مرتبطة بعمليات احتراق أو تحلل للمواد الموجودة في المكب، وليس بنشاط جيولوجي أو بركاني جديد.
وجاءت هذه النتائج بعد نحو أسبوع من بدء الجهات المختصة التحقيق في الظاهرة التي لفتت الانتباه إلى المنطقة خلال أواخر أيلول. ففي 26 أيلول 2026 أعلنت المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية أنها تتابع تصاعد الأبخرة بالتزامن مع ظهور تشققات وانخسافات في عدد من المواقع، وأكدت في ذلك الوقت أن تحديد مصدر الانبعاثات يحتاج إلى قياسات ميدانية ودراسات متخصصة قبل الوصول إلى استنتاج نهائي.

وكانت المعطيات الأولية قد أبقت أكثر من احتمال قائماً، ولا سيما أن جبل كوكب يقع ضمن نطاق الحقل البركاني في شمال شرق سورية، ويتمتع بتكوينات بركانية وتراكيب جيولوجية وتكتونية متداخلة. وأشارت المؤسسة آنذاك إلى احتمال ارتباط الأبخرة بحركة المياه الجوفية وتسربها عبر الشقوق والفوالق إلى أعماق الأرض، مع التشديد على أن هذا التفسير لم يكن نتيجة نهائية.
وفي 27 أيلول، اتخذت مديريتا البيئة والطوارئ وإدارة الكوارث في الحسكة إجراءات احترازية، وحذرتا الأهالي ووسائل الإعلام من الاقتراب من مواقع الانبعاثات أو إجراء أي أعمال حفر أو التعامل مع أجسام مجهولة، إلى حين انتهاء عمليات الكشف والتأكد من سلامة المنطقة. كما كان من المقرر إجراء فحوص بيئية لتحديد طبيعة الغازات والأبخرة المتصاعدة.
وفي 30 أيلول، أجرت اللجان المشتركة مسحاً ميدانياً شاملاً في محيط جبل كوكب، شمل جمع المعطيات والكشف على المواقع التي ظهرت فيها الأبخرة، تمهيداً لدراسة النتائج والوصول إلى تحديد أسباب الظاهرة. وأوضحت الجهات المعنية حينها أن النتائج النهائية ستصدر بعد استكمال التحليل الفني.
ويكتسب الموقع أهمية جيولوجية لكون جبل كوكب يقع على بعد نحو 15 كيلومتراً شرق مدينة الحسكة، ويبلغ ارتفاعه قرابة 516 متراً، وتحيط به تكوينات صخرية بركانية. لذلك أثارت الظاهرة منذ بدايتها تساؤلات حول احتمال وجود نشاط جيولوجي جديد، خصوصاً مع ظهور التشققات والانخسافات بالتزامن مع الأبخرة. إلا أن المعطيات التي جمعتها الفرق المختصة خلال عمليات المسح لم تدعم هذا الاحتمال باعتباره التفسير الرئيسي للظاهرة.
وتشير المعلومات المنشورة في 1 تشرين الأول إلى أن الدراسات الجيولوجية كانت قد استبعدت وجود مؤشرات واضحة على ثوران بركاني جديد، فيما بقيت الحاجة قائمة لتحليل طبيعة الانبعاثات وتحديد مصدرها بدقة. كما أشارت تحليلات علمية إلى أن سجل جبل كوكب لا يتضمن ثوراناً بركانياً حديثاً خلال العصر الهولوسيني، وأن آخر نشاط بركاني معروف للمنطقة يعود إلى فترات جيولوجية أقدم.
وبحسب التقرير الفني الأخير، فإن وجود مكب النفايات والمواد المطمورة داخله، إلى جانب عمليات الحرق الحديثة، يوفر تفسيراً أكثر ترجيحاً للأبخرة التي شوهدت في الموقع. ويعني ذلك أن التعامل مع الظاهرة ينتقل من البحث في احتمال نشاط جيولوجي أو بركاني إلى معالجة مصدر بيئي محتمل للانبعاثات، مع ضرورة تقييم طبيعة الغازات الناتجة عن احتراق أو تحلل النفايات وتأثيرها في السكان والبيئة المحيطة.
وتبقى الإجراءات الاحترازية ضرورية إلى حين استكمال أي فحوص بيئية لازمة، ولا سيما أن الجهات المختصة كانت قد حذرت منذ بداية ظهور الظاهرة من الاقتراب من مناطق التشققات والانخسافات أو العبث بالتربة، سواء بسبب احتمال وجود غازات أو مواد خطرة أو نتيجة عدم استقرار بعض أجزاء سطح الأرض.
وبذلك، ترجح نتائج اللجنة المشتركة أن الأبخرة المتصاعدة في جبل كوكب ليست مؤشراً على عودة نشاط بركاني في المنطقة، وإنما ظاهرة مرتبطة بظروف الموقع واستخدامه السابق كمكب للنفايات وما رافق ذلك من طمر وحرق حديث للمواد، في انتظار استكمال الإجراءات البيئية والفنية التي تحدد طبيعة الانبعاثات وسبل معالجة مصدرها.








