رغم زيادة الرواتب والأجور التي دخلت حيز التنفيذ في أيار الماضي، لا تزال كلفة المعيشة في سورية تضغط على دخول الأسر، في وقت تشير أحدث البيانات المتاحة إلى أن تحسن الدخل الاسمي لم يتحول بالسرعة نفسها إلى تحسن في القدرة الشرائية، مع استمرار ارتفاع كلفة الغذاء والطاقة والنقل والخدمات.
ورفعت الحكومة في أيار الرواتب والأجور للعاملين في القطاع العام والمشترك بنسبة 50%، كما أصبح الحد الأدنى العام للأجور وأجور المهن 12,560 ليرة سورية جديدة شهرياً. لكن مقارنة هذا الرقم بكلفة المعيشة تظهر أن المشكلة لا تتعلق بحجم الزيادة وحده، وإنما بما تبقى من قيمتها بعد ارتفاع الأسعار.
وتقدم بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو» أحدث صورة واضحة للفجوة. فقد كانت سلة الحد الأدنى للإنفاق في سورية، وهي مؤشر يستخدم لقياس كلفة الاحتياجات الأساسية، أعلى بأكثر من 30% في حزيران 2026 مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي. وفي الشهر ذاته كان الحد الأدنى للأجور يغطي نحو 47% فقط من قيمة السلة، ونحو 75% من مكونها الغذائي. كما ارتفع متوسط سعر كيلوغرام الطحين بنسبة 34% والأرز بنسبة 32% على أساس سنوي.
وتؤكد بيانات المركز السوري لبحوث السياسات أن انخفاض الأسعار خلال شهر واحد لا يعني بالضرورة تحسناً في الوضع المعيشي. ففي تموز تراجع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 1.9% مقارنة بحزيران، لكن مستوى الأسعار بقي أعلى بنسبة 24.8% من تموز 2025. كما أشار المركز إلى استمرار الفوارق بين الأسعار الرسمية والكلفة الفعلية للحصول على السلع والخدمات، ولا سيما مع نقص بعض المواد وارتفاع تكاليف النقل والطاقة في عدد من المناطق.
وفي حين ساهم تحسن سعر الصرف خلال تموز في خفض بعض مؤشرات النقل والطاقة، لم ينعكس ذلك بصورة متساوية على الأسعار في المحافظات، إذ بقيت تكاليف السكن والنقل والطاقة مرتبطة بتوافر الوقود وتكاليف التشغيل المحلية. وسجل متوسط سعر الدولار في السوق الموازية خلال تموز نحو 13,215 ليرة سورية قديمة، مقابل نحو 14,001 ليرة في حزيران، وفق المركز السوري لبحوث السياسات.
ثم جاء أيلول ليضيف ضغطاً جديداً من بوابة الطاقة. ففي 13 أيلول رُفعت أسعار المشتقات النفطية مؤقتاً، ووصل سعر لتر المازوت إلى 175 ليرة سورية جديدة، مقارنة بـ125 ليرة قبل التعديل، فيما بلغ سعر بنزين 95 نحو 195 ليرة وبنزين 90 نحو 185 ليرة، والغاز المنزلي 1600 ليرة جديدة. وعزت وزارة الطاقة الزيادة إلى ارتفاع كلفة تأمين المشتقات النفطية عالمياً وإجراء صيانة شاملة لمصفاة بانياس، ما زاد الاعتماد مؤقتاً على استيراد المنتجات النفطية الجاهزة.
ولا يتوقف أثر ارتفاع الوقود عند فاتورة السيارة أو التدفئة، إذ تظهر آثاره سريعاً في النقل وشحن البضائع والإنتاج الزراعي والخدمات. وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الطاقة لاحقاً طرح المازوت المدعوم بسعر 115 ليرة جديدة للتر للتدفئة والزراعة وبعض الفئات المستفيدة، بينما بقي السعر النظامي للمازوت عند 175 ليرة، ما يعكس استمرار محاولة تخفيف أثر ارتفاع تكاليف الطاقة على بعض القطاعات.
وتظهر الفجوة بصورة أكثر مباشرة في تفاصيل حياة الموظفين. ففي حديثها للمركز الصحفي ، قالت رنا وهي موظفة ، إن راتبها في آب بلغ 17,328 ليرة سورية جديدة، وإنها اضطرت إلى تخصيص جزء كبير منه لتسديد فاتورة كهرباء بلغت 11 ألف ليرة جديدة، قبل أن يبقى لها مبلغ محدود لشراء حاجات المنزل.
ولا تعني هذه الشهادة أن وضع جميع الموظفين متطابق، لكنها توضح كيف يمكن لبند خدمي واحد أن يستهلك نسبة كبيرة من الدخل الشهري، قبل احتساب الغذاء والمواصلات والسكن والصحة والتعليم.
وتشير تقديرات حديثة نشرتها صحيفة «الوطن» في 26 أيلول، نقلاً عن الخبير الاقتصادي والمصرفي إبراهيم نافع قوشجي، إلى أن الأسرة المؤلفة من خمسة أفراد تحتاج بين 78 و79 ألف ليرة سورية جديدة شهرياً لتغطية ما وصفه بالحد الأدنى للبقاء، فيما قدر كلفة مستوى معيشة أكثر استقراراً بين 115 و125 ألف ليرة. وهذه أرقام تقديرية مختلفة منهجياً عن «سلة الحد الأدنى للإنفاق» التي تستخدمها «فاو»، لذلك لا يصح التعامل معها باعتبارها الرقم نفسه أو دمجها مباشرة مع بيانات السلة الأممية.
وبينما تكشف المؤشرات الاقتصادية استمرار فجوة القدرة الشرائية، تبقى الأسر أمام محاولات متعددة للتكيف، من تقليص الإنفاق وتأجيل بعض الاحتياجات إلى البحث عن عمل إضافي أو الاعتماد على التحويلات. وتشير تقديرات الأمن الغذائي إلى أن ارتفاع أسعار الغذاء والنقل وضعف فرص العمل لا تزال عوامل تضغط على القدرة على الوصول إلى الغذاء، خصوصاً في المناطق الشمالية الشرقية والشمالية الغربية، حيث تستمر مستويات من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
وبذلك، لا تبدو القضية في ارتفاع الأسعار وحده، ولا في زيادة الرواتب وحدها، وإنما في المسافة بين الاثنين. فحتى عندما يرتفع الدخل الاسمي، يبقى أثر الزيادة على الحياة اليومية مرتبطاً بسرعة تغير أسعار الغذاء والطاقة والنقل والسكن، وبما إذا كان الدخل الحقيقي يستطيع الاحتفاظ بقيمته بعد احتساب هذه النفقات.








