عشرات العائلات في الغوطة الشرقية تجد نفسها اليوم تسكن في بيوتٍ معلقة في الهواء، بلا أساسات تسندها. أنفاقٌ حُفرت بالأمس للنجاة من القصف، تحولت اليوم إلى فخاخ صامتة تبتلع الأبنية، تسلب العائدين أمانهم، وتترك مصيرهم معلقاً بالمجهول.
نورهان كردي||
كلما مرّت شاحنة ثقيلة في الشارع العام أمام منزل محمد قصاب بمدينة زملكا، يتغير إيقاع البيت. يتوقف الحديث فجأة، وتتجمد الأيدي خوفاً من اهتزاز الأرضية. ترفع زوجته عينيها نحو السقف بتوجّس، بينما يُسمّر محمد نظراته على الجدران، يراقب تصدعاتها بانتظار مرور الكابوس بسلام. يتلاشى صوت المحرك ويعود الهدوء، لكنه هدوءٌ هش.
منذ أن أدركت العائلة أن أساسات بنائها مهددة بالانهيار، فقدت التفاصيل اليومية عاديتها. تشغيل الغسالة بات مغامرة بسبب اهتزازاتها المتواصلة، وركض الطفلتين في الممرات يُقابل بحذر، كل حركة داخل الجدران صارت موزونة بميزان الرعب.
يقول محمد: “لما بتمر شاحنة كبيرة منضل نراقب.. منخاف يصير شي”. تشاركه زوجته هذا الرعب مؤكدة أن أدنى صوت بات إنذاراً: “إذا انكسرت كاسة بالبيت برتعب.. بفكر البناية عم توقع، كل خوفي عالبنات”.
لم يعد هذا الخطر مجرد هاجس. أصبح واقعاً يومياً يرافقهم في كل زاوية. على زمن الأسد كان الموت في الغوطة يهبط من السماء مع القذائف، أما اليوم، فالتهديد يقبع بصمت تحت الأقدام.
تكرس هذا الخوف في ليلة من حزيران 2026 ما زالت محفورة بذاكرة سكان البناء. عند الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، قطع سكون زملكا صوت قوي واهتزاز مباغت ضرب المبنى. ثوانٍ قليلة، واستفاقت الأسرة على طرقات هستيرية ترافقها صرخات الجيران: “اطلعوا.. البناية عم توقع!”.
دون أي متسع للتفكير، استجابت الأجساد لغريزة البقاء. خطفت الأم طفلتيها إلى صدرها، بينما سارع محمد لجمع الأوراق الثبوتية والأغراض الضرورية على عجل.
خلال دقائق، تجمع سكان البناء في الشارع المظلم. حدقوا بصمت في شققهم، بانتظار أن تُسوّى بالأرض في أية لحظة. تسمر الأهالي في العراء حتى الرابعة والنصف فجراً يترقبون أي إشارة تطمئنهم. ومع بزوغ الفجر الأول، تجرأ البعض وأعقبهم البقية بالعودة إلى شققهم. انتهت تلك الليلة، لكن الخوف من أن السقوط القادم سيتجاوز مجرد جدار في السطح، بقي حاضراً.
ثمن العودة
بالنسبة لـ “محمد”، لا يقتصر رعب الانهيار على فكرة التشرد مجدداً، بل يعني سقوط بيتٍ استنزف لاستعادته عشر سنوات من عمره. ففي عام 2011، خرج محمد من زملكا تاركاً خلفه بيت العائلة، معتقداً أن الغياب لن يطول، قبل أن تغير الأحداث العسكرية آنذاك كل المسارات.
تحت وطأة حملة الأسد العسكرية التي بدأت تقضم مدن الغوطة، نزحت عائلته إلى دمشق، بينما حزم هو حقائبه وسافر إلى إسطنبول. في غربته، لم يسعَ لتأسيس حياة بديلة بعيداً عن جذوره، بل كان هدفه الأوحد جمع المال ليعود ويرمم بيته. يستعيد محمد تلك الأيام قائلاً: “طلعنا غصب عنا. تركنا بيتنا وكل شي ورا ضهرنا. كنا مفكرين يومين أو أسبوع ومنرجع.. بس راحت سنين”.
انقضت عشر سنوات من الغربة والعمل المضني، وفي عام 2021، عاد محمد إلى زملكا رجلاً متزوجاً، يحمل حلماً واحداً: أن يبدأ حياة مستقرة في البيت الذي غادره. لكن الصدمة كانت بانتظاره، فالمنزل لم يدمره القصف، بل نهشته ماكينة “التعفيش” التابعة للأسد بعد انتهاء العمليات العسكرية لتجرده من كل تفاصيله. الأرضيات الرخامية اقتُلعت، التجهيزات اختفت تماماً، ولم يبقَ للرجل سوى جدران صماء تتخللها ثقوب الرصاص. يقول بحسرة: “كان كله رايح.. ما ضل شي. اشتغلنا فيه من الصفر”.
تحول عرق الغربة إلى ورشة ترميم لا تنتهي. أنفق محمد نحو 400 مليون ليرة سورية ليعيد تأهيل شقته، ومنزل عائلته، ومحله التجاري. بجهد يومي، نفض الغبار عن المكان ليعود بيتاً ينبض بالحياة من جديد. بين هذه الجدران التي أعاد إكساؤها استقبل طفلتيه، وفي ممراتها الضيقة تعلمتا أولى خطواتهما. اعتقد أن فاتورة الحرب قد سُددت بالكامل، وأن أصعب مراحله طُويت، إلى أن انشقت الأرض عن تهديد لم يكن في الحسبان.
إرث الحصار
لا يقتصر الخطر على بناء محمد. عشرات الأبنية في الغوطة الشرقية تواجه مخاطر مشابهة مرتبطة بشبكات الأنفاق التي حُفرت خلال سنوات الحرب، ما يضع سكانها أمام تهديدات يصعب تقدير حجمها في ظل غياب خرائط دقيقة لمسارات هذه الأنفاق.
في 11 أيار/مايو 2026، وأثناء إصلاح شبكة الصرف الصحي في الشارع العام بزملكا، انهار الإسفلت فجأة. خلّف الانهيار حفرة عميقة، ظهر داخلها نفق ضخم يمتد أسفل الأبنية السكنية، ومن بينها بناء محمد.
يعود وجود هذا النفق إلى سنوات الحصار الذي فرضه الأسد بين عامي 2013 و2018. حينها، ولتجنب القصف المستمر، اتجه السكان وفصائل المعارضة إلى باطن الأرض. حُفرت شبكات طويلة ومعقدة لتأمين طرق تنقل المدنيين، وإنشاء مشافي ميدانية تحت الأرض، إضافة للاستخدامات العسكرية واللوجستية.
بعد سيطرة الأسد على الغوطة عام 2018، تُركت هذه الشبكات دون معالجة هندسية لتتحول من ممرات نجاة إلى خطر يهدد أساسات الأبنية. وتضاعفت المشكلة لاحقاً بعد تعرض حديد التدعيم الذي يسند أسقف الأنفاق لعمليات نبش وسرقة ممنهجة، ما أفقدها متانتها، وجعل الأبنية المقامة فوقها عرضة للانهيار.
استجابة ورقية
صعوبة المعالجة تبدأ من غياب خرائط واضحة لشبكات الأنفاق، بحسب بلدية زملكا. فتعدد الجهات التي حفرت خلال سنوات الحرب، واختلاف استخداماتها ومساراتها، جعلا من الصعب تتبع امتدادها تحت الأبنية، لتبقى معظم التدخلات إسعافية، مرتبطة بما ينكشف بعد حدوث انهيار أو هبوط في الأرض.
كان المهندس فهد موسى من أوائل الفنيين الذين كشفوا عن الانهيار وعاينوا الموقع ميدانياً. عند نزوله إلى الحفرة، واجه نفقاً يمتد أسفل ثلاثة أبنية متجاورة على الشارع العام.
ينقل موسى مشاهداته المباشرة قائلاً: “النفق المكتشف يبلغ طوله 23 متراً وعرضه خمسة أمتار، وهو اتساع يكفي لمرور شاحنة داخله”.
وبحسب معاينته، تضررت سبع قواعد حاملة في الأبنية الواقعة فوق النفق. إلا أن الخطر، كما يوضح، لا يرتبط بالفراغ تحت البناء وحده، إذ ساهمت تسربات مياه الصرف الصحي من الشبكات المتضررة في إضعاف التربة المحيطة بالأساسات وخلخلتها مع مرور الوقت.
بعد انكشاف المشكلة، وزعت البلدية إنذارات إخلاء على السكان ووضعت إشارات تحذيرية حول الموقع، فيما بدأت بمراسلة الجهات المعنية للحصول على تقييم هندسي وآلية للتدخل.
يقول رئيس بلدية زملكا، ثائر إدريس، إن البلدية خاطبت المحافظة ونقابة المهندسين بانتظار تقرير فني يحدد طريقة المعالجة. ويشير إلى أن القوانين تحمّل مالكي العقارات مسؤولية الترميم والتدعيم، لكنه يقر بأن حجم الضرر في هذا الموقع يتطلب إمكانات تتجاوز قدرة السكان والبلدية.
بالنسبة للأهالي، لا تكمن المشكلة في تحديد الجهة المسؤولة فقط، بل في غياب تمويل قادر على تنفيذ تدعيمٍ واسع ومكلف. يأتي هذا العجز المحلي بعد أن أُعلن عن مبادرات لجمع الأموال خلال الفترة الماضية، من بينها حملة جمعت مبلغ 76 مليون دولار لإعادة إعمار ريف دمشق.
الملاذ المتصدع
الخطر لم يقتصر على بناء محمد، فقبل شهر رمضان الماضي، اكتشف سكان بناية وجود نفق آخر أسفل بنائهم. يروي هشام النحاس، أحد القاطنين في البناء، كيف طرقوا أبواب المؤسسات لتدارك الخطر مبكراً، قائلاً: “إلنا خمس شهور عم نراجع.. رحنا عالبلدية، وبعدها المنطقة والمحافظة. كل جهة بتحولنا عالتانية”.
انتهت سلسلة المراجعات دون نتيجة، ولم يلتفت أحد للمشكلة إلا حين هبط الطريق العام وفرض الكارثة كأمر واقع.
اليوم، بين كلفة التدعيم التي يعجز عنها السكان، وبطء دورة الموافقات الحكومية، يبقى الحل معلقاً بانتظار المجهول. عائلة محمد نفذت بالفعل إنذار الإخلاء، ولجأت مؤقتاً إلى منزل أهل الزوجة بانتظار الحلول. مرّ أكثر من أسبوعين دون أي استجابة على الأرض، فوجد محمد نفسه أمام حسبة بسيطة وقاسية: إما التشرد والبحث عن إيجار لا يملك ثمنه بعد أن أنفق ماله في الترميم، أو العودة لبيته المهدد بالانهيار.
اختار العودة. تجاهل أمر الإخلاء وفتح بابه مجدداً. لا يتحدث عن الأمر باعتباره بطولة او تحدياً للخطر، بل كعجز تام: “وين بدنا نروح؟ ما عنا غير هالبيت. كنا بالإيجار سنين، وما عنا مكان غير هون”.
عادت العائلة إلى حياتها اليومية، لكن علاقتها بالبيت تغيرت. مع كل شاحنة ثقيلة تعبر الشارع، يتجمد إيقاع البيت وتُحبس أنفاس العائلة إلى أن يتلاشى هدير محركها. يدرك محمد وجيرانه واقعهم الجديد. لقد فقدت الأرض صلابتها تحتهم، وباتوا يسكنون بيوتاً معلقة فوق الفراغ، هشة ومسلوبة الأساسات. حتى الاهتزازات العابرة تكفي لترجف الجدران وتوقظ الخوف.
هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة شبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية.

















