عندما عادت ليلى محمد إلى حي جرمانا في مدينة دمشق، بعد غربة دامت نحو 13 عاماً، وبعد سقوط نظام الأسد عام 2025، تفاجأت لدى وصولها لحي جرمانا بتلوث الحي، القمامة مكدسة، أكياس النايلون والعلب البلاستيكية مرمية في كل مكان، ترافق ذلك مع عدم وجود سلال للقمامة في الشوارع إلا فيما ندر.
عندما تجولت ليلى في مدينة دمشق اكتشفت أنه ليس وحده حي جرمانا من يعاني ويواجه هذا التلوث، بل دمشق برمتها. القمامة تنتشر في الشوارع والأحياء، والأبنية تبدو متسخة، باهتة اللون، يغلب عليها اللون الرمادي. أما نهر بردى، الذي كان يوماً شريان المدينة، فقد تحول إلى مكبّ للنفايات. معظم الأحياء والمناطق التي تقع على أطراف دمشق، باتت ملوّثة بالكامل، إضافة إلى الأضرار البيئية المباشرة التي خلّفتها الحرب، حيث استهدفت قوات النظام المزارع والحقول وأحرقت المحاصيل، وصولًا إلى تدمير الغوطة التي تُعدّ الرئة الخضراء لدمشق.
وتقول ليلى: ” لم أعرف دمشق عندما عدت إليها. مدينة مشوهة ومتسخة، أول ما لفت انتباهي هو الضباب الخانق الذي يخيم على سماء دمشق، منذ أن رجعت قبل عام وحتى اليوم كل فترة أصاب بوعكة صحية وكريب ورشح ومشاكل في التنفس نتيجة التلوث”.
اليوم، تواجه سوريا بأكملها تحديات بيئية خطيرة فيما يتعلق بالهواء الملوث من آثار حراق النفط في شمال شرق البلاد. الغارات التي شنها نظام الأسد على مدار 14 عاماً خلّفت سحبًا كثيفة من الدخان والسموم، وجعلت التنفس معركة يومية. وتشير تقارير بيئية إلى أن هواء سوريا من بين الأكثر تلوثًا عالمياً، ما وضع السكان أمام تهديد لا يقل فتكًا عن الحرب نفسها.
تُظهر المعلومات التي نشرها موقع درج أن سوريا كانت تعاني من تلوث هواء مرتفع حتى قبل الحرب، إذ تعرض 69% من السوريين لمستويات خطيرة من الجسيمات الدقيقة عام 2010 وارتفعت النسبة إلى 17% بين عامي 2010 وعام 2017 مع تصاعد القصف والحرائق والعواصف الترابية وتراجع النشاط الزراعي، إضافة إلى الهجمات الكيماوية. وبحلول 2019، صُنّفت سوريا في المرتبة 18 عالميًا بين أكثر الدول تلوثًا، مع تركيز للجسيمات الدقيقة يفوق ثلاثة أضعاف الحد الموصى بها.
هذا التلوث انعكس مباشرة على صحة السكان، إذ ارتفعت الوفيات المرتبطة بتلوث الهواء بنسبة 17% بين 2010 و2017، مسجلة 7,684 وفاة، فيما بلغ معدل الإعاقة الناتجة عن التعرض للجسيمات الدقيقة 1,625 حالة لكل 100 ألف شخص. كما قدّر العبء الاقتصادي للأمراض والوفيات المبكرة المرتبطة بتلوث الهواء بما بين 0.6% و1.42% من الناتج المحلي الإجمالي.
الترصد الوبائي 2025: الإنفلونزا تتصدر الأمراض التنفسية في سوريا
أظهرت بيانات الترصد الوبائي لعام 2025 في سوريا ارتفاعًا غير مسبوق في انتشار الأمراض التنفسية، حيث سجّل العام أعلى منحنى وبائي منذ 2022، مع تصدّر فيروس الإنفلونزا للمشهد الصحي. ووفق ما أكده مدير الأمراض السارية في وزارة الصحة، الدكتور ياسر فروح، بلغ عدد حالات المرض الشبيه بالإنفلونزا أكثر من مليون وأربعمئة ألف حالة، فيما وصلت الإصابات التنفسية الحادة الوخيمة إلى نحو ثلاثين ألف حالة استدعت معظمها دخول المستشفيات وتلقي رعاية صحية مركزة.
وتشير الاتجاهات الوبائية إلى تصاعد مستمر في الإصابات منذ عام 2022، وصولًا إلى ذروة واضحة في 2025، ما فرض ضغطًا كبيرًا على خدمات الاستشفاء نتيجة الارتفاع الملحوظ في الحالات الشديدة.
وشدّد الدكتور فروح على أن الإنفلونزا ليست مجرد “رشح عابر”، بل قد تتحول إلى مرض خطير يسبب مضاعفات حادة كالالتهاب الرئوي، خصوصًا لدى الفئات الأكثر هشاشة مثل كبار السن والأطفال والحوامل ومرضى الأمراض المزمنة. وتتراوح الأعراض بين حرارة وسعال وآلام عضلية، وقد تتطور إلى ضيق تنفس وألم صدري وازرقاق في الشفاه، وهي مؤشرات تستدعي تدخلاً طبيًا عاجلًا. وينتقل الفيروس بسهولة عبر الرذاذ التنفسي والأسطح الملوثة، ما يجعل الأماكن المغلقة والمزدحمة بيئة مثالية لانتشاره. وما تعكسه الأرقام في سجلات الترصد يظهر بوضوح في حياة الناس اليومية، إذ يروي أبو محمد من ريف دمشق كيف بدأت إصابته بصداع وحرارة مرتفعة قبل أن تتطور خلال يومين إلى ضيق تنفس اضطره لدخول المستشفى، بينما انتقلت العدوى سريعًا إلى أطفاله، في تجربة تتكرر في آلاف المنازل وتكشف العبء الإنساني للموجة الوبائية.
ليس وحده أبو محمد من عانى من هذه الأعراض، بل تؤكد من جهتها ريما علي من سكان دمشق إلى إصابتها هي الأخرى بمشاكل في التنفس والسعال وارتفاع الحرارة مع وجود آلام في الحنجرة، وتقول: “أصبت قبل 3 أشهر برشح شديد وسيلان للأنف وطننت أنه رشح عادي سيزول بعد يومين.. ولكن لليوم أعاني من مشاكل في التنفس وسعال شديد وخروج البلغ من الصدر”.
وتوصي وزارة الصحة المصابين بالبقاء في المنزل وتجنب الاختلاط ومراجعة الطبيب عند اشتداد الأعراض، مع التحذير من استخدام المضادات الحيوية دون وصفة طبية، فيما تدعو الجميع إلى الالتزام بإجراءات الوقاية الأساسية مثل غسل اليدين وتهوية الأماكن وتغطية الفم والأنف عند السعال أو العطاس. وتؤكد الوزارة أن الأرقام المعلنة تمثل الحالات المبلّغة فقط ضمن نظام الترصد الرسمي، وأن العدد الفعلي للإصابات قد يكون أعلى، ما يستدعي تعزيز الترصد المخبري ورفع مستوى الوعي الصحي لضمان طلب الرعاية في الوقت المناسب
مبادرات مدنية وحكومية
تعيش المدن السورية اليوم مرحلة حساسة في مسار التعافي البيئي، إذ تحاول المجتمعات المحلية، إلى جانب الجهات الحكومية، استعادة ما فقدته البلاد خلال سنوات الحرب من بنى خضراء وفضاءات نظيفة. وفي ظل تراكم النفايات وتراجع الخدمات، برزت مبادرات مدنية وشبابية تعبّر عن رغبة السوريين في إعادة الحياة إلى شوارعهم، وتأكيد قدرتهم على المشاركة في حماية بيئتهم رغم الظروف الصعبة.
فمع سقوط نظام الأسد، انطلقت مجموعات من الشباب والفرق التطوعية لتنظيف الشوارع وتزيين الطرقات في مبادرات نابعة من حسّ مدني عميق، تعكس وعيًا متزايدًا بالمخاطر البيئية وأهمية الحفاظ على نظافة المدن. ومن بين هذه المبادرات برزت حملة “دمشق أحلى” التي لاقت انتشارًا واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تداول المستخدمون صورًا لشباب وشابات يعملون على إزالة القمامة، ورسم الجداريات، وتجميل المرافق العامة، في مشهد أعاد الأمل بإمكانية استعادة وجه دمشق الحضاري.
لكن أزمة النفايات في سوريا تتجاوز قدرة المبادرات التطوعية وحدها، ما جعل التعاون بين المجتمع المدني والجهات الحكومية ضرورة ملحّة. وخلال عام من التحرير، بدأت المجالس المحلية بإطلاق حملات مشتركة مع المبادرات الشعبية، من أبرزها حملة “بأيدينا سوريا بتحلى” التي نُفذت بالتزامن مع اليوم العالمي لتنظيف البيئة في محافظات عدة مثل حلب وطرطوس وحماة وحمص. وقد هدفت هذه الحملات إلى تعزيز ثقافة التطوع، ورفع الوعي بأهمية النظافة العامة، وإشراك السكان في حماية بيئتهم.
وفي سياق متصل، أطلقت وزارة الإدارة المحلية والبيئة بالتعاون مع محافظة دمشق ووزارة الطوارئ وإدارة الكوارث في 24 كانون الأول 2025 حملة تشجير واسعة تحت شعار “الشام خضرا… ورح تبقى خضرا”. وشملت الحملة زراعة أكثر من مئة ألف غرسة متنوعة بين الأشجار المثمرة وأشجار الزينة، في خطوة تهدف إلى إعادة إحياء الغطاء النباتي الذي تضرر بشدة خلال الحرب، وتعزيز قدرة المدينة على مواجهة آثار التغير المناخي. كما نفذت مديرية بيئة دمشق حملة تشجير في حديقة مشفى الشام العسكري بمنطقة مساكن برزة، تضمنت زراعة أكثر من مئة شجرة وغرسة، ضمن برنامج بيئي توعوي تشارك فيه لجان الأحياء والمؤسسات المحلية.
تكشف هذه المبادرات، سواء المدنية أو الحكومية، عن رغبة حقيقية في إعادة بناء علاقة السوريين ببيئتهم، وإحياء المساحات الخضراء التي تضررت بفعل الحرب والإهمال. ورغم أن الطريق ما زال طويلًا، فإن تلاقي الجهود الشعبية والرسمية يشكل خطوة أساسية نحو مدن أكثر نظافة وصحة، ويؤسس لوعي بيئي جديد يمكن أن يساهم في حماية مستقبل الأجيال القادمة. ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه الحملات إلى عمل مستدام، يضمن استمرار الاهتمام بالبيئة كجزء من عملية التعافي الوطني الشامل.











When I initially commented I clicked the “Notify me when new comments are added” checkbox and now each time a comment is
added I get several e-mails with the same comment.
Is there any way you can remove people from that service?
Thanks a lot!
This post provides clear idea for the new users of blogging, that really how
to do running a blog.
Just want to say your article is as amazing. The clarity to your submit is
simply great and i can assume you are knowledgeable on this subject.
Well along with your permission let me to clutch your RSS feed to keep up
to date with forthcoming post. Thank you a million and please carry on the enjoyable
work.
i really enjoy reading such a greate article, keep up the wonderful work, check out my site at eiffeltower-ticketparis.com
Since the admin of this web page is working, no doubt very soon it
will be well-known, due to its feature contents.
i really enjoy reading such a greate article, keep up the wonderful work, check out my site at eiffeltower-ticketparis.com
Spot on with this write-up, I seriously believe that this amazing site needs far
more attention. I’ll probably be back again to read more, thanks for the info!
I loved as much as you will receive carried out right here.
The sketch is attractive, your authored material stylish.
nonetheless, you command get got an shakiness over that you wish be delivering the following.
unwell unquestionably come more formerly again as
exactly the same nearly a lot often inside case you shield
this increase.
bookmarked!!, I like your website!
It’s a shame you don’t have a donate button! I’d certainly
donate to this outstanding blog! I suppose for now i’ll settle for bookmarking and adding your RSS feed
to my Google account. I look forward to fresh updates
and will talk about this website with my Facebook group.
Talk soon!
i never came across a well indepth article like this, this is the second time i am reading it, i really enjoy it, thanx for the great work, i appreciate it, checking back soon. from the team frompoo.com