الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو إلى طهرانتأتي في ظل توتر غير مسبوق في العلاقات الثنائية بين البلدين، فقد أدى التقارب التركي معالسعودية وإسرائيل -رغم افتقاره إلى الأهداف المشتركة التي تبحث عنها تركيا- إلى قلق طهران من انقلاب في ميزان القوى الإقليمي.
كما أدى التعاون الإستراتيجي بين إيران وروسيا في الملف السوري إلى انحدار نصيب أنقرة الإستراتيجي من طموحاتها الإقليمية، وقد شكل الملف السوري وتطوراته الأخيرة محور الخلاف.. لكن ورغم التدهور المشهود، زار أوغلو طهران.
ولأول مرة أحس المضيف الإيراني بنبرة تركية -سواء من أردوغان الذي عبر عن أمله في أن تأتي الزيارة بنتائج إيجابية تعم العالم الإسلامي، أو من أوغلو الذي عبر عن تقارب في الرؤى مع طهران- تُبدي رغبة أكبر في التعاون وطي صفحة الصدام الإقليمي. وهنا يأتي السؤال عن المستجد في العلاقة الثنائية والتطورات الإقليمية الدافعة لهذا التغيير.
“دخلت الدولتان إطارا من التنافس الإستراتيجي محوره مستقبل سوريا ونظامها، ولكن رغم احتدام التنافس استمرت العلاقات الثنائية، والاقتصادية منها على وجه الدقة، دون مشاكل تُذكر، فلم تتراجع العلاقات التجارية إلا بشكل ضئيل، ولم يكن هذا التراجع الخفيف نتيجة قرار سياسي بل جاء نتيجة لاشتداد وطأة العقوبات الدولية”
ومن نافلة القول الإشارة إلى أن التوتر لم يعكر صفو العلاقات الإيرانية التركية بين ليلة وضحاها، فقد استغرق الأمر خمس سنوات من تقاطع السياسات الإقليمية والتنافس الإستراتيجي، وقد أدت الخيارات الإستراتيجية المضادة لمواجهة غير مباشرة بين الدولتين في سوريا.
ولم تتريّث تركيا المندفعة بقوة صعود المحور الإخواني في المنطقة في قطع علاقاتها بالنظام السوري وتقديم المساعدة للمعارضة وتسهيل ودعم تسليح المعارضة السورية، بينما رأت طهران أن ضرب قوتها الإقليمية يجري عبر ضرب حلفائها وعلى رأسهم سوريا ومن خلالها حزب الله
“تعلم تركيا أن التقارب مع السعودية أو إسرائيل لن يغير الكثير، فلا توجد دولة إقليمية تتفهم الهواجس التركية كما تفعل طهران، بدورها تدرك طهران حالة الضيق الإستراتيجي التركية، ومن الواضح أنها تبحث عن المشترك بينها مع أنقرة في ظل الوقوف السعودي أمام خياراتها الإقليمية”
فإيران المحاصرة بالعقوبات الدولية وجدت في العلاقة الاقتصادية متنفسّا لها يقلل من وقع الضغوط، وتركيا ذات العقلية الاقتصادية وجدت في العقوبات ضد إيران منفذا لربح خيالي عبر أداء دور الوسيط بين الاقتصاد الإيراني والعالم.. حكمت الواقعية إذن العلاقة الاقتصادية، إلا أن الواقع الاقتصادي والسياسي تغير بشكل ملحوظ في الأشهر القليلة الماضية، كما تغير -إلى حد ما- موقعا إيران وتركيا اقتصاديا وسياسيا.
فإيران المحصورة تنفست الصعداء بعد توقيعها الاتفاق النووي ورفع العقوبات الدولية عنها، وما عادت الحاجة للبوابة التركية ملحة كالسابق. أما سياسيا فقد رفع الخيار العسكري -إلى حين على الأقل- من على طاولة الرئيس الأميركي، وعلى المستوى الإقليمي أعاد التدخل الروسي التوازن للواقع العسكري في سوريا وباتت تركيا -بعد إسقاط المقاتلة الروسية- خارج إطار ما يُرسم هناك.
أضف إلى ذلك أن الدعم الروسي والأميركي لأكراد سوريا، يُعتبر بعيون أنقرة جزءا من مؤامرة تُحاك ضدها. أما إيران الخارجة من عقوبات منهكة، فتجد وضعها السياسي إقليميا ودوليا أفضل بكثير مما سبق، كما أن حلفاءها الإقليميين في العراق وسوريا أصبحوا في وضع أفضل بكثير عمّا كان عليه الحال سنة 2014 ومطلع 2015.
تُدرك تركيا هذا التغير، كما تُدرك طهران الهواجس المشتركة أمنيا وسياسيا بينها وبين تركيا. لذلك زار أوغلو طهران في وقت عصيب، ولذلك أيضا رحبت طهران بقدومه. أدى إدراك أنقرة للتغييرات الإقليمية وخاصة صعوبة وضعها في ظل التصعيد الروسي ضدها، إلى محاولتها الاقتراب من طهران أكثر من ذي قبل.







