جاءت الضربة بعد سجال سياسي غربي
القدرات العسكرية الغربية، وخصوصا الأميركية، التي تتفوق على الروسية وتسبقها بأشواط، عبر تنفيذ ضربة صاروخية جوية تحت أنظار الضباط الروس، وقواتهم الدفاعية التي ملأوا الدنيا ضجيجا بشأن خصائصها الفنية وقدراتها العملياتية، وهذا ألحق بهم وبرئيسهم وبلادهم إهانة قاسية بذهاب تحذيراتهم المتكرّرة ووعيدهم بعواقب وخيمة أدراج الرياح، ناهيك عن التحدّي الأميركي الصريح لروسيا ورئيسها، إن بتغريدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي وجه كلامه إلى روسيا ورئيسها (الصواريخ قادمة)، أو كلام رئيس المخابرات الأميركية مايك بومبيو: “الرئيس بوتين لم يستوعب إلى حد كاف الإشارة. وعلينا مواصلة العمل على هذا الاتجاه”. خصوص تسوية الأزمة السورية، مؤكدا “إصرار” بلاده “على تأسيس اللجنة الدستورية بدعم من الأمم المتحدة والدول الضامنة”، ما يعني تمسّكه بنتائج سوتشي ورفضه المشروع الغربي، وهو ما كرّره السفير الروسي في الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، بقوله: “جهود الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في الأمم المتحدة لبدء تحقيق جديد في الأسلحة الكيميائية في سورية، وإنعاش محادثات السلام تأتي في غير وقتها”، وطرحه خطة مضادة من ست نقاط.
هزّت الضربة صورة روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين (اعتبرها السفير الروسي لدى الولايات المتحدة إهانة لبوتين) وأفقدتها جزءا مهما من رصيدها الدولي؛ كما حطت من شأن سلاحها، وأجهضت خطة الرئيس الروسي في مناكفته الولايات المتحدة عبر تبني سياسة حافّة الهاوية، واللجوء إلى التصعيد المتواتر حتى يبلغ مرحلة الاستنفار النووي، ما سيضطر الولايات المتحدة إلى الجلوس معه على طاولة التفاوض، لبحث تقاسم النفوذ في العالم، كما في أيام الاتحاد السوفييتي. سياسة رد عليها موقع “NG” الروسي، الذي يدور في فلك الكرملين، في تعليق له على “الاثنين الأسود”، في مقالة بعنوان “أميركا تملك سلاحاً أقوى من سلاح سارمات وبوريفسنيك”، اللذين أعلن عنهما الرئيس الروسي في خطابه أخيرا عن حالة الاتحاد أمام البرلمانيين الروس، بقوله: “لدى أميركا سلاح آخر غير خوض المعارك الحربية وبلوغ حافة النزاع النووي الشامل، فهي بوسعها خنق موسكو بالعقوبات الاقتصادية”.
لم يكن هدف الضربة عسكريا بالمطلق، فقد خُطط لها ونُفذت بعد الإعلان عن القرار بشنّها بأيام، ما سمح للنظام وحلفائه الروس والإيرانيين بأخذ احتياطاتهم لتلافى الخسائر عبر إعادة نشر قواتهم وأسلحتهم لتجنب الضربة المباشرة، ما يعني أن هدفها لم يكن تحقيق مكاسب عسكرية، بل استثمار حدث عسكري (ضربة الكيميائي) في تحقيق هدف سياسي: الاعتراض على الحل الذي خطته روسيا مع تركيا وإيران في أستانة وسوتشي للصراع في سورية، وطرح بديل يتسق مع قرارات الأمم المتحدة. وهذا ما أكّده التحرك الدبلوماسي الغربي؛ بعد ساعاتٍ على الضربة؛ عبر طرح مشروع قرار في مجلس الأمن للحل في سورية، قائم على تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة، وخصوصا القرارات 2118 و2254 و2401، التي تتناول السلاح الكيميائي والحل السياسي ووقف النار والجوانب الإنسانية، مع التمسك بمسار جنيف وحيدا للتفاوض. ولكنها (الدول الثلاث) لا تريد تكرار خطأ روسيا بالعمل على حل منفرد، لا يأخذ مصالح الفاعلين في
وقد عكس السجال السياسي والإجراءات الميدانية، وقوف روسيا، لأول مرة منذ تدخلها العسكري المباشر في سورية في شهر سبتمبر/ أيلول عام 2015، موقفا دفاعيا، في مواجهة موقف أميركي هجومي يضع لها، بتحرّكه الميداني والسياسي مع المملكة المتحدة وفرنسا، خطوطا حمراء من أجل ردعها وتقليص نفوذها في سورية والمنطقة، وهو ما لم تقبل به؛ فصعدت في نقدها الموقف الغربي (عدم شرعية الوجود الغربي في سورية، خطط أميركية لتقسيم سورية، الضربة عدوان على دولة مستقلة.. إلخ)، وافتعلت مشكلات واختلقت قضايا (عرقلة دخول بعثة المفتشين إلى دوما، الادعاء باكتشاف مواد كيميائية مصدرها بريطاني وألماني، انتقاد إحجام أميركا وبريطانيا عن إرسال خبرائهم إلى دوما، التلويح بتزويد النظام السوري صواريخ إس 300، عقد اجتماع لغرف التنسيق الأمني الروسي الإيراني النظام السوري العراقي في بغداد للرد على التحرك الغربي) كي تربك دول المحور الغربي، وتشل تحركها ريثما ترتب أوراقها في مسرح الجريمة. لكنها عادت وقبلت الانحناء للعاصفة، وتمرير اتفاق أولي في “خلوة باكاكرا” السويدية بالقبول بالعودة إلى مفاوضات جنيف، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، وتوفير خروج آمن للمدنيين من مناطق القتال، من دون اتضاح حقيقة موقفها، وهو تسليم بالمطالب الغربية في ضوء تقويمها أثر الضربة عليها، أم محاولة لتبريد الأجواء في انتظار فرصة أنسب.







