علق ستيفن إرلانغر من صحيفة “نيويورك تايمز” على الإجراءات التي اتخذتها الدول الأوروبية لمواجهة فيروس كورونا لا ينتشر فقط بل يقوم بإصابة المجتمعات بعدوى عدم الأمان والخوف والتشرذم
ويقول إيفان كراستيف، الذي يدير مركز الإستراتيجيات الليبرالية في صوفيا، بلغاريا: “لم تعد المشكلة بين الدول ولكن بين الأفراد”، وأضاف: “أصبح اليوم أخشى ما تخشاه هم الأفراد” و”كل واحد حولك قد يكون خطرا ويحمل الفيروس، وهذا الشخص قد لا يعرف أنه خطر عليك والشخص الوحيد الذي لا يعتبر خطرا عليك هو من لم تقابله، أي الشخص الذي بقي في البيت”. وفجأة أصبحت قبلة الترحيب خطرا وكذا عناق الفرح والعزاء.
أصبح اليوم أخشى ما تخشاه هم الأفراد وكل واحد حولك قد يكون خطرا ويحمل الفيروس
وكتب كراستيف وبشكل مستمر عن أزمة أوروبا مع المهاجرين التي وصفها بأنها تشبه انهيار الأنظمة الشيوعية ولكن لا أحد اليوم يتحدث عن فتح الحدود للمهاجرين “فلا أحد يخاف من المهاجرين ولكن من أي شخص”. ويشمل الخطاب حول الهجرة مجازا عن الجحافل والغزو وحتى الذباب ومزاعم أن المهاجرين يجلبون معهم المرض. ويريدون الهرب من حياتهم البائسة بحثا عن ملجأ آمن في أوروبا التي لم تعد آمنة. ويقول كراستيف إن المهاجرين اليوم سيتساءلون: “هل الوباء أسوأ من الحرب؟” و”لا تستطيع المراوغة من الوباء والفرار منه”.
وقبل عقد كتب العالم السياسي الفرنسي دومينيك مويسي الذي تزوج من إيطالية كتابا بعنوان “جيوسياسية العواطف” حيث شرح فيه الضغوط التي تسببت بها العولمة من خلال الإهانة والأمل والخوف، وقال: “اليوم.. العاطفة السائدة هي الخوف”. وقال مويسي إن “أزمة كوفيد-19 تضيف حالة من اللايقين والخوف وتسرع من عملية القلق حول العالم الذي يتحرك بسرعة”، في إشارة إلى المرض الذي يتحرك بسرعة. وأضاف أنه مع الإرهاب والفزع الاقتصادي وعدم الوضوح الإستراتيجي والتغيرات المناخية والهجرة فـ”الأساسيات غير واضحة والمستقبل غير معروف”. واليوم جاء عدو لا يرى “فيمكنك الإصابة بالفيروس من لمسك يد الباب، وهذا هو أقصى حالات الخوف”. وقال إنه افتقد لمس وتقبيل أحفاده وبدأ يفكر بالموت. وقال إن تعبئة المجتمع “أصبحت أكثر صعوبة وضرورية لأن العدو غير مرئي”.
وعاشت باريس عمليات إرهابية أدت لمقتل 150 في ليلة واحدة عام 2015 ولكن الإرهاب “كان وحشيا وواضحا” و”لكن الضحايا من الفيروس سيكون عددهم أكبر من عدو غير مرئي ولم يمر علينا شيء مثل هذا من قبل”.
وبات من الصعب على الحكومة التي تعلمت حث سكانها على الهدوء في زمن الإرهاب التعلم لإخافتهم من أجل صالحهم العام. ففي أثناء الطاعون بالقرن الرابع عشر والذي أدى لقتل الكثيرين اعتقد الناس أن الرب قد عاقب الذين ماتوا وأبقى على حياة من اختارهم. ولكن في مجتمع علماني “بات من الصعب فهم المعنى الأخلاقي لمن يموت” كما يقول كراستيف، مضيفا أن ما نملكه الآن هو مجرد “نظريات مؤامرة” والحديث عن “فيروس أجنبي”، بل واقترح المتحدث الرسمي الصيني أن الأمريكيين هم المسؤولون عن انتشاره.
وفي عام 2003 كتب الفيلسوف الأوروبي الذي توفي الشهر الماضي عن تسعين عاما مقالا مهما لمعهد نيكسس تحدث فيه عن “فكرة أوروبا” التي تواجه التهديد. وقال ستاينر إن الهوية الثقافية الأوروبية قامت على عدد من الملامح التي ليست موجودة في الولايات المتحدة حيث ثقافة السيارات والضواحي والأماكن الواسعة والمفتوحة التي تشجع على الانفصال. وفي أوروبا هناك ثقافة المقاهي التي يلتقي فيها الناس للقراءة والكتابة والتخطيط. ويقول ستاينر إنها أماكن “للتكليف والمؤامرة والنقاش الثقافي والنميمة، الراحة والشاعر والميتافزيقي الذي يكتب ملاحظاته” ومفتوحة للجميع.
وقامت فكرة التمشي الأوروبية على الساحات والشوارع الصغيرة والتي تحمل أسماء العلماء ورجال الدولة المشاهير في أعمالهم أو مذابحهم. وكتب أن أوروبا “تمشي” و”المسافات على قاعدة إنسانية” وفي زمن الوباء ومع إغلاق المقاهي والساحات الفارغة فقد تم تدمير هذه الملامح أمام السكان والسياح مما أدى للعزلة والوحدة كما يقول كراستيف. وأهم شيء كتبه ستاينر هو حس أوروبا بالموت والانحطاط والذي وصفه “بالوعي القيامي الذي أعتقد أنه يظل مهما للوعي الأوروبي”. ففي عمق الدين المسيحي والفلسفة الأوروبية هناك “نهاية تراجيدية” و”هذا لا يعني أن أوروبا مثل بقية الحضارات حدست أنها ستنتهي تحت ثقل إنجازاتها والثروة التي لا تقارن وتعقيد تاريخها”. ونحن لسنا في نهاية الزمن ولكن المزاج متعكر وتحطم بسبب أفعال الإنسانية المشتركة والتضامن.









