يحيى العريضي – العربي الجديد
لم تبدأ القصة
في تاريخ البشرية. قلائل جداً الذين توقعوا أصلاً أن تقوم ثورة في سورية؛ لن تبقي عالمنا كما هو، عندما تنجح. هي ثورة كَثُر أعداؤها، وكانوا الأشرس والأكثر إجراماً؛ وكثُر أصدقاؤها، وكانوا للأسف الأضعف والأشد مرارةً بخبثهم من أعدائها. عندما التصقت بها أميركا خسرت نصف مصداقيتها كثورة، فأميركا في أذهان الناس لا تصادق شعباً، بل منظومات عميلة تشغّلها. ذلك أعطى منظومة الاستبداد في دمشق ذريعة جبارة بأن ما يحدث مؤامرة،
الطفل الذي فقد أهله في الغوطة؛ والذي وضعت مليشيات الاحتلال الأسدي صورة لرئيسها بيده هي التي تهزمهم. ذلك الطفل لا يتصرف بحرية أو براءة، تماماً كما ذلك الرجل؛ إنهما يتصرّفان بانكسار يعيشانه، عندما يكونان محاطين بالموت وانكسار الروح؛ لكنهما سبقا منظومة الاستبداد وداعميها بأشواط في مواجهة الصعاب والصلابة والأخلاق، وفوق ذلك في النضج الذي تولده الحرية. لقد عاشا خارج سجن منظومة الاستبداد ست سنوات حرّة محرّرة من عبودية الرعب؛ فكان صمودهما وصمود الغوطة الأسطوري؛ الأمر الذي ينطبق على أهل سورية داخلاً وخارجاً؛ وهذه قيم لا يعرفها الطغاة.
ما يفعله الطغاة ليس بطولة. وليس تصوير رئيس نظام، يقود سيارته ويهذر بالبطولة في مكان يحيطه الدمار، انتصاراً. فهو ﻳﻜﺮﻩ ﺷﻌﺒﻪ ﻭﻳﺤﺘﻘﺮه، ويسلّم ﺑﻼﺩﻩ ﻟﻠﻤﺤﺘﻠﻴﻦ. ولا يستطيع عاقل أن يستوعب كيف تخرُجُ من مخلوقٍ بهذا السجل الإجرامي عبارة “حماية المدنيين”؛ والعالم يرى دم المدنيين أنفسهم يُستباح في لحظة الكلام؛ ويرى ويتابع ذلك القابع في مجلس الأمن لحماية استباحة الدم السوري في الغوطة وغيرها؛ ويرى ويسمع “نخوات” الدول الأعضاء (الأصدقاء) حول بشاعة الأفعال، ولا يحرّك ساكناً أو متحركاً. ﻟﻴﺲ ﺻﺤﻴﺤﺎً ﺍﻟﻘﻮﻝ إﻧﻬﺎ ﺣﺮﺏ ﺍﻵﺧﺮﻳﻦ ﻓﻲ ﺳﻮﺭية، ﻷﻥ ﺍﺳﻤﻬﺎ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻫﻮ ﺣﺮﺏ ﺍﻵﺧﺮﻳﻦ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﻌﺐ ﺍﻟﺴﻮﺭﻱ؛ لسان حال أولئك يقول عن ثورة سورية: ليتك لم تكوني!
أخيراً؛ على الرغم من اليأس والانكسار والتيه، وعلى الرغم من عجز اللغة عن التقاط ما يحدث، إلا أن المشهد يشي بعلامات حياة لا يمكن لقوة أن تطفئها. صحيح أن هناك في سورية مَن لم يشبع أو يمل بعد من ذبح السوريين، وسفك دمهم وأرواحهم، وخصوصاً روح ذلك الطفل حامل صورة البشاعة؛ لكن سقوط ثورة سورية سيسقط العالم، وانتصارها سيغيّره حتماً، ويجعله عالماً يستحقه الإنسان.







