الجيش النظامي ليس موثوقاً، فالمنشقون في ازدياد، كما أنهم يأخذون معهم أسلحتهم الفردية عند انشقاقهم. هنا فكر النظام في الاستفادة من حركات الانشقاق هذه، لاتهام الثورة السلمية بأنها جماعات مسلحة تحمل السلاح، وتهاجم مؤسسات الدولة وعناصر القوات الأمنية، لكنه، في الوقت نفسه، أدرك أن الاعتماد كلياً على وحدات الجيش لمواجهة الثورة التي تحولت تدريجياً إلى “ثورة مسلحة” خيار ليس آمناً، بحكم تصاعد الانشقاقات داخله، وفي الوقت نفسه، التذمر داخل بعض قياداته للمشاركة في
المستقبل القريب مهما كان يعني أن تدخل سورية تقريبا، بكل المعايير والتصنيفات السياسية وبكل الأرقام الاقتصادية، مرحلة الدولة الفاشلة، فهي غير قادرة على حماية سيادتها، حدودها أو أجوائها، وغير قادرة على حماية مواطنيها، بل تسعى عمليا إلى تهجيرهم وتشريدهم، كما أن معظم الخدمات التي يمكن أن تؤمنها الدولية من كهرباء ومياه وأمن تشهد انقطاعا في معظم المناطق، وأحياناً غياباً كلياً. سورية تعتمد الآن في كل مناطقها، تلك التي تخضع للنظام أو التي تخضع للمعارضة، على المساعدات الدولية، وبرامج المساعدات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة. وبالتالي هي بشكل أو بآخر تحت وصاية دولية، من دون أن تعلن الأمم المتحدة ذلك، كما أن أجواءها عرضة للانتهاكات الدولية من كل الأطراف، ففي شهر فبراير/ شباط الماضي، سقطت في السماء السورية أربع طائرات من أربع جنسيات، روسيا وإيران وإسرائيل وتركيا، وهذا يعطي مؤشرا على مدى “دولنة” الصراع في سورية، ويعطي فكرة بشأن انهيار فكرة السيادة السورية بشكل كامل ونهائي.
يدفع السوريون اللاجئون والمهجرون والنازحون ثمن هذا الحال، وهو النتيجة الحتمية لتحلل الجيش، وقراره في دخوله الحرب ضد الشعب والمجتمع، والذي نتجت عنه حقيقة لا أحد يستطيع إنكارها، أن سورية التي نعرفها لم يعد لها وجود أبداً، وأن “سورية” جديدة ربما تتخلق، لكنها لم تولد بعد، ربما تكون “سوريات” جديدة، وربما تكون نموذج الدولة الفاشلة التي تستمر عقودا، في ظل عدم اكتراث المجتمع الدولي بمصير السوريين الذين لم يعودوا يجدون في بلدهم المأوى الآمن.







