ولهذا فإن مقولة الظاهر والباطن هذه ما هي إلا نتاج إعادة تدوير (أو «رسكلة»، كما يقال في المغرب العربي) لمقولة كانت رائجة لدى الشيوعيين، وهي أن الديمقراطية الليبرالية هي مجرد إخراج شكلي يتلخص في حرية التصويت والتعبير والخروج في المظاهرات، أما الديمقراطية الحقيقية، كما هو معلوم، فهي الديمقراطية الشعبية التي ازدهرت في الاتحاد السوفييتي. وإذا كان المستشار قد تولى التشخيص والتنظير، فإن الرئيس قد مضى خطوة أبعد وتولى مهمة التنبؤ بما يخبئه التاريخ. حيث أعلن بوتين قبل أيام أن الاتحاد الأوروبي سينفرط بحلول عام 2028! وبما أن النبوءة الجريئة تستدعي تعليلا، فقد قال شارحا إن بعض دول أوروبا الشرقية الأعضاء في الاتحاد ستبلغ في غضون عشرة أعوام درجة من التنمية الاقتصادية تجعلها في غنى عن الدعم الذي تحصل عليه من ميزانية الاتحاد. ولهذا فإنها ستصير ملزمة بالمساهمة في تمويل الميزانية، تماما مثلما كان شأن بريطانيا ولا يزال حتى اليوم.
وبناء على هذا التماثل الافتراضي، قال بوتين إنه قد تنشأ في دول أوروبا الشرقية مبادرات مثل «المبادرات التي برزت في بريطانيا». والمعنى أن الرئيس الروسي يتوقع أنه ستتبع البركسيت حالات طلاق أخرى لا بد أن تنتهي بانفراط العقد الأوروبي. وهذا أمر لا يتوقعه بوتين مجرد التوقع بل إنه يسعى إليه سعيا، بدليل ضلوع روسيا في الحملات الفيسبوكية الهادفة للتأثير في الناخبين في بعض البلدان الأوروبية، وبدليل رفض حكومة بوريس جونسون نشر التقرير الاستخباري عن التدخلات الروسية في حملة الاستفتاء على البركسيت عام 2016، وبدليل الدعم المالي الذي تقدمه روسيا للأحزاب اليمينية المنادية بالخروج من الاتحاد الأوروبي، مثل حزب التجمع الوطني الفرنسي (الذي كان يعرف باسم الجبهة الوطنية).
أما لماذا يتوقع بوتين انهيار الاتحاد الأوروبي في غضون عشرة أعوام؟ فذلك لأن هذه، في تقديره، هي الفترة التي استغرقها مسار التضعضع والتفكك الذي انتهى بانهيار الاتحاد السوفييتي أواخر عام 1991. انهيار لا يزال يحز في نفسه لأنه «أعظم مأساة جيوسياسية تقع في القرن العشرين».










