في الحادي عشر من تموز الماضي، أرسلت ليلى العبد الله رسالتها الأخيرة: “لم أعد أحتمل، أنا أستقيل”.
وكانت تلك رسالتها الأخيرة للقناة التي عملت فيها منذ عام 2015، حيث كتبت باسمها المستعار مئات المقالات التي كادت أن تتسبب بقتلها مرة وباعتقالها مرات.
ألقت نظرة أخيرة على غرفتها في حي جرمانا بالعاصمة دمشق، دون أن تدري إن كان ما تراه حقيقة أم مجرد استمرار لتلك الرؤى التي رافقتها لسنوات ولا زالت لم تنتهِ. لملمت أوراقها وأرشيفها وقصاصات من زوايا كتّابها المفضلين فيما كانت الاشتباكات تستعر في الخارج، وأحسّت بتلك النظرة المعتادة التي لطالما ألقتها جدران غرفتها المغطاة بالغبار والذعر.
خرجت ليلى من البلاد وتركت قلم الصحافة في غرفتها، لكن الغرف لم تتركها. كل زاوية تحمل صدى أيام طويلة من الخوف والملاحقة، كل رف يحمل رائحة الغبار والورق القديم، وكل صفحة كانت شاهدًا على لحظة كادت تقلب حياتها رأسًا على عقب.
غادرت ليلى والحرب لم تتوقف. الاشتباكات مستمرة، والرصاص لم يصبح ذكرى بعيدة. الفرق الوحيد أنها لم تعد قادرة جسديًا على البقاء في هذا الإيقاع. سنوات من الترقب الدائم، من الاستجابة لكل صوت مفاجئ، من الكتابة تحت تهديد مباشر أو محتمل، تركت أثرًا واضحًا. التعب لم يعد معنويًا فقط، بل جسديًا: توتر لا يزول، أرق متكرر، إحساس دائم بأن الخطر قريب.
في الليل، لا تعود الأحداث كمشاهد درامية كاملة، بل كاستجابات جسدية واضحة: انقباض في الصدر، يقظة مفاجئة، صعوبة في النوم. ذاكرتها اليوم منقسمة بين ما هو مكتوب ومحفوظ في الأرشيف، وما هو مخزّن في الجسد. الحرب ما زالت دائرة في الخارج، لكنها لم تعد قادرة على تحمّل التعرض المباشر لكل تفاصيلها. تقول ليلى إن الاستقالة لم تكن انسحابًا من القضية، بل محاولة لحماية ما تبقى من طاقتها الجسدية والنفسية بعد سنوات من العمل تحت الضغط المستمر.
الجسد كأرشيف صامت: حين تستقر الحرب داخل الصحفي
في بيئات النزاع، لا تنتهي التغطية بانتهاء الحدث، ولا يتوقف أثر الحرب عند حدود الخبر المنشور. ما يتراكم خلال سنوات من العمل الميداني لا يُختزن فقط في الذاكرة المهنية، بل في الجسد نفسه. وبينما يُطلب من الصحفي أن يكون شاهدًا موضوعيًا، تبقى الحقيقة أكثر تعقيدًا: التجربة لا تمرّ من دون أثر.
مسؤولة الحماية في شبكة الصحفيات السوريات ندى الجندي أكدت أن سنوات التغطية تترك آثارها العميقة على النفس والجسد، مشددة على الترابط الوثيق بينهما؛ فما يصيب النفس ينعكس على الجسد، والعكس صحيح. وتبين جندي أن ما يمرّ به الصحفي أو الصحفية خلال سنوات العمل في الصراعات، خصوصًا عندما يكون مرتبطًا بهويته أو قضيته، لا يمكن اعتباره حدثًا عابرًا يسهل تجاوزه. فالعمل في هذه الظروف يضع الصحفي في تماس مباشر مع آلام الآخرين، يتعاطف ويتألم ويشاهد ويتفاعل، ما يجعل تراكم المشاعر أمرًا حتميًا إن لم يُمنح مساحة للفهم والمعالجة.
هذا التراكم لا يظهر دائمًا في صورة ذكريات واضحة. أحيانًا لا يتذكر الصحفي مشهدًا محددًا، لكنه يشعر بضيق أو توتر عند المرور بمكان معين. هنا توضح جندي أن هذه الاستجابات الجسدية يمكن فهمها بوصفها نوعًا من “الذاكرة الصامتة”، حيث تعود آثار الصدمة بعد فترة طويلة من الحدث، حتى لو بدا الشخص غير متأثر في البداية. وقد تظهر على شكل ومضات، أحلام مزعجة، أو أعراض جسدية مثل الصداع، التشنجات، وضيق التنفس. أحيانًا يكفي محفّز بسيط كرائحة أو صوت أو مكان ليستجيب الجسد كما لو أن الخطر ما زال حاضرًا.
وفيما يُطلب من الصحفي في مناطق النزاع أن يكون مراقبًا لا متأثرًا، ترى جندي أن الحفاظ على حياد كامل أمر غير ممكن. ففقدان التعاطف يعني فقدان جزء أساسي من جوهر العمل الصحفي. غير أن ما يُسمّى “الحياد” لا يعني غياب المشاعر، بل هو غالبًا آلية تكيّف تُمكّن الصحفي من الاستمرار دون الانهيار تحت وطأة الإرهاق.
لكن محاولة الحفاظ على هذا “الحياد النفسي” عبر كبت المشاعر قد تقود إلى نتائج عكسية. تشير جندي إلى أن الإنسان يتأثر بطبيعته، حتى وإن لم يكن مدركًا لذلك. تجاهل المشاعر أو كبتها لفترات طويلة قد يؤدي إلى الإنهاك أو الاحتراق النفسي، لذلك فإن الحل لا يكون بإنكار التأثر، بل بفهمه والتعامل معه بوعي.
وفي هذا السياق، تؤكد جندي أن الذاكرة المهنية يمكن أن تبقى مصدرًا للفهم والنضج بدل أن تتحول إلى عبء، إذا رافقها اهتمام بالرعاية الذاتية. تفريغ المشاعر، أخذ فترات راحة، ممارسة أنشطة إبداعية، أو طلب الدعم النفسي عند الحاجة، كلها وسائل تساعد على تحويل التجربة إلى وعي أعمق بدل أن تصبح عبئًا يرهق القدرة على الاستمرار. وتشدد على أن رعاية الذات ليست رفاهية، بل شرط أساسي لمواصلة المهمة.
وبالحديث عن الواقع السوري، ترى جندي أن سنوات الحرب تركت أثرها على الجميع، لكن الصحفيين والصحفيات كانوا في قلب الحدث أو تحت تهديد مستمر، ما جعل حالة الإرهاق واسعة الانتشار. ومع ذلك، تصف هذا الإرهاق أحيانًا بأنه أشبه بـ“استراحة المحارب”، لحظة لالتقاط الأنفاس قبل متابعة طريق لا يزال طويلًا.
وتختم جندي بالتأكيد على أن الألم المهني لا يعني بالضرورة نهاية القدرة على العطاء. يمكن تحويل الألم والغضب والمشاعر الصعبة إلى طاقة إبداعية، شرط فهمها ومعالجتها بدل تجاهلها. فبعد سنوات من العمل في النزاعات، لا يبقى داخل الصحفي مجرد ذاكرة مهنية، ولا أثر إنساني منفصل عنها، بل مزيج من الاثنين معًا خبرة وأثر كلاهما جزء من الرحلة، وكلاهما قابل للتحوّل إلى وعي أعمق إن أُحسن التعامل معه.
بين الإقصاء والصمت… كيف يُعاد تشكيل وعي الصحفية داخل المؤسسة؟
لا يتوقف أثر الحرب عند الميدان. أحيانًا يبدأ الضغط الحقيقي بعد العودة منه.
الصحفية التي نجت من التغطية، تعود لتجد أن مساحة حركتها تضيق بطرق أكثر هدوءًا، لكن أكثر رسوخًا، حيث يتقاطع الخطر الأمني مع أحكام مسبقة وإقصاء وضغوط مجتمعية. لذلك، تبدو تجربتهن مرآة مكثفة لفهم ما تفعله الحرب بالجسد والوعي المهني معًا.
إحدى الصحفيات والعاملات في التدريب على التغطيات الإعلامية الحساسة للفئات الاجتماعية لبنى محمد “رفضت الكشف عن اسمها الحقيقي لأسباب اجتماعية” ترى أن شكل التحديات تغيّر بعد سقوط نظام الأسد، لكنه لم يختفِ. التهديد المباشر قد يتراجع، لكن الإقصاء يتقدم خطوة إلى الأمام. تضييق في نوع القضايا المسموح العمل عليها، استبعاد غير معلن من الملفات السياسية والاقتصادية، وندرة في وجود مراسلات ميدانيات. المسألة لم تعد فقط مواجهة خطر أمني، بل مواجهة بنية مهنية ما تزال ترى بعض المساحات حكرًا على الرجال.
تضيف لبنى أن غياب السياسات الحساسة للنوع الاجتماعي داخل المؤسسات الإعلامية يعمّق هذا الضغط. الصحفية مطالبة بالإنتاج والجاهزية الكاملة، من دون أن تُؤخذ بعين الاعتبار مسؤولياتها الأسرية أو احتياجاتها الصحية. إجازات الحمل، ساعات الرضاعة، الحضانات، كلها حقوق منصوص عليها قانونيًا، لكنها غالبًا غير مفعّلة عمليًا. النتيجة ليست فقط إرهاقًا جسديًا، بل شعورًا دائمًا بعدم الأمان المهني.
أما التحرش، قبل السقوط وبعده، فما يزال حاضرًا كطبقة إضافية من الصمت. كثيرات يخترن السكوت، إما خوفًا من الوصم أو من خسارة فرصهن المهنية. المشكلة، كما توضح راجح، لا تكمن فقط في وقوع الانتهاك، بل في غياب آليات واضحة وآمنة للتبليغ والحماية، سواء داخل المؤسسة أو أثناء التعامل مع المصادر.
صحافة التضحيات
لم تكن التحديات التي واجهتها الصحفيات مرتبطة بمرحلة زمنية واحدة. الصحفية السورية مروة ياسين تتحدث عن تجربتها خلال فترة نظام الأسد السابق، حيث واجهت تقييدًا للمعلومات من قبل المسؤولين، واضطرت إلى تحمل الإذلال في سبيل الحصول على معلومة. أنجزت العديد من التحقيقات، لكنها لم تُنشر، ليس لضعفها المهني، بل خوفًا من المسؤولين. تصف ياسين تلك المرحلة بأنها “صحافة التضحيات”، لأن الصحفي ـ كما تقول ـ كان يضحي بكل ما يستطيع من أجل أداء عمله.
من جهتها، ترى الصحفية شام الحريري أن سقوط النظام لم ينهِ التحديات. فالمخاوف والرعب والتهميش والإقصاء ما تزال حاضرة، وإن تغيّرت أشكالها. التهديد، بحسب الحريري، لم يختفِ، بل أصبح أكثر تشعبًا وتعقيدًا، ما يجعل بيئة العمل الإعلامي أقل وضوحًا وأكثر التباسًا.
الجسد يحتفظ بالصدمة
الصدمة، كما يوضح الطبيب النفسي بيسل فان دير كولك في كتابه «الجسد يحتفظ بالصدمة»، لا تعيش في الذاكرة فقط، بل في الجهاز العصبي نفسه. حين يطول التعرض للخطر، يصبح التأهّب قاعدة بيولوجية، لا خيارًا واعيًا. الجسد يتعلم أن العالم غير آمن، ويتصرف وفق ذلك.
وفي كتابها «الصدمة والتعافي»، تشير جوديث هيرمان إلى أن الصدمة الممتدة تُضعف الإحساس بالسيطرة والفاعلية. ومع تآكل هذا الإحساس، يبدأ التراجع التدريجي: ليس انهيارًا دراميًا، بل تقليصًا محسوبًا للمخاطر، وانسحابًا من مساحات الاستنزاف.
أما تشارلز فيغلي، الذي صاغ مفهوم “الإرهاق التعاطفي”، فيوضح أن التعرض المتكرر لألم الآخرين من دون دعم كافٍ يؤدي إلى خفوت القدرة على الانخراط. ليس لأن التعاطف انتهى، بل لأن النفس تحمي نفسها.
في هذا السياق، انسحاب بعض الصحفيات من الميدان لا يبدو خيارًا فرديًا بقدر ما هو استجابة تنظيمية لجسد استُنزف طويلًا. لكن السؤال الأعمق لا يتعلق بقدرة الصحفيات على التحمّل؛ التجارب أثبتت أنهن تحمّلن ما يكفي وأكثر.
السؤال هو: إذا كانت المهنة نفسها تقوم على الحضور في قلب الخطر، فماذا يحدث لقواعدها حين ينسحب من الميدان من يدفعن أثمانه مضاعفة؟ هل يبقى ميزان التغطية كما هو، أم أن الغياب يعيد تشكيل الرواية نفسها، بهدوء، ومن دون إعلان رسمي؟










