في الأعراس يعلو صوتها معلناً بدء الفرح، وفي تشييع الشهداء صدحت نفس الحنجرة تودّع بفخر. هكذا تحوّلت “الزغرودة” في سوريا من طقس بهجة متوارث إلى ذاكرة صوتية وثّقت أكثر مراحل السوريين وجعاً وصموداً.
الزغرودة حركة صوتية لولبية تؤديها المرأة بتحريك لسانها، مشتقة من الفعل “زغرد”. لطالما ارتبطت في الذاكرة الجمعية السورية بالمناسبات السعيدة: نجاح طالب، زفاف، عودة غائب، أو استقبال مولود. وتختلف نبرتها من منطقة لأخرى؛ فتُسبق بـ “أوها” عند أهل الشام و”هاها” عند أهل حلب، بينما يسميها البعض “زلغوطة” أو “هنهونة”.
يشير الباحث السوري محمد خالد رمضان في كتابه “دراسات في الزغرودة الشعبية” الصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب عام 2009، إلى أن الفعل نفسه يحمل دلالات رمزية تؤثر على الحالة النفسية للفرد والجماعة، ولا يُمارس في مناسبة واحدة فقط. وهذا ما تجسّد فعلياً خلال سنوات الثورة السورية.
فمع اشتداد الحرب، خرجت الزغرودة من قاعات الأعراس إلى ساحات الوداع. أطلقتها الأمهات عند تشييع أبنائهن الشهداء، لا حزناً بل فخراً بالتضحية. وصدحت بها النساء عند أبواب السجون لاستقبال معتقلين خرجوا أحياء بعد سنوات من الغياب، لتتحول إلى صوت يجمع بين الفرح الممزوج بالوجع، والدلالة على صمود العائلات في مواجهة الفقد والانتظار.
تقول أم خالد من ريف إدلب، التي زغردت يوم استقبال ابنها المعتقل عام 2024: “ما بكيت.. زغردت. الناس استغربت، بس هاي مش زغرودة عرس. هاي زغرودة بتقول: ابني رجع رافع راسه، وما انكسر”.
في هذا السياق لم تعد الزغرودة مجرد تعبير عن بهجة آنية، بل أصبحت فعل مقاومة رمزي. صوت المرأة وهي تعلن أنها رغم الفقد ما زالت قادرة على إعلان الفخر، وأن الموت لم يكسر إرادة الحياة.
اليوم، وبعد التحرير، تعود الزغرودة تدريجياً إلى سياقها الأول. تملأ ساحات الأعراس في إدلب وحلب ودرعا، وترافق نتائج الطلاب المتفوقين. عودتها إلى موضعها الطبيعي ليست تفصيلاً هامشياً، بل مؤشر اجتماعي على تعافي النسيج السوري. فحين تعود الطقوس إلى أماكنها، تستعيد الحياة توازنها.
وتؤكد استمراريتها رغم كل التحولات تمسك السوري بموروثه الشعبي كجزء من هويته. فقد حفظت الزغرودة الفرح في ذاكرة الأجيال، ثم وثّقت الوجع والصبر، وهاهي اليوم تعلن أن السوري استعاد حق الفرح الكامل غير المنقوص.










