قيل لا ثورة تُنجز ولا نظام يقوم في سوريا دون حلب، ولعل في هذا القول وجاهة تفسر مركزية حلب في الحالة السورية، وركيزة ثالث حلقات هذه السلسلة وآخرها، بشأن تمدد الوجود الإيراني إليها من المثلث الحيوي شرقاً وجنوباً، والذي فصَلنا في آليات تثبيت إيران فيه وجودها المادي في تحقيقين سابقين، ، مشروع يسمح بشطر سوريا إلى ضفتين، شمالية مركزها حلب، وجنوبية مركزها دمشق، بينهما طريق إيران البري الأثير، الذي يربط طهران بالبحر المتوسط، مروراً بالعراق وسوريا.، وكان لحلب حصة الأسد من هذا التوسع، الذي يشرف عليه الحرس الثوري الإيراني، ليشمل إلى جانب بناء قواعد ومستودعات جديدة جرى تفصيل مواقعها، استحداث معسكرات لتدريب أفراد من حزب الله اللبناني، والأهم من كل ذلك إنشاء ميليشيا جديدة هي أقرب إلى نموذج قوات النخبة.
ما كشف عنه الموقع المذكور يتجاوز التوسع العسكري، بل عملياً، فإن الوجود العسكري يأتي هنا في خدمة الوجود في قطاعات أخرى، عقارية وصناعية ودينية، يغذيها ويقويها ويسرع من وتيرتها.
نظرة عامة
لخصنا سابقاً الاستراتيجية الإيرانية في حلب وفق ثلاث ركائز، ونتوسع قليلاً قبل الذهاب إلى التفاصيل، من خلال تسليط الضوء بداية على منهجية التدرج المتبعة في حلب، والتوغل الهادئ ما بين عامي ٢٠١٢ و٢٠١٦، لتتسارع وتيرة الوجود الإيراني وتتنوع أدواته، وصولاً إلى اللحظة الراهنة، وهي مرحلة حصد المكاسب إن صح التعبير.
بدأت إيران في المرحلة الأولى بإنشاء قواعد عسكرية وبناء ميليشيات محلية في مدينة حلب وريفها، وتحديداً ريف حلب الجنوبي، وفق الآلية ذاتها المتبعة شرقي سوريا كما أوضحنا في سيف الموافقة الأمنية
تروي أم يامن لفوكس حلب، أنها عام ٢٠١٨ جاءت من ريف حلب الشمالي لتتفقد بيتها في حي مساكن هنانو لكنها فوجئت بوجود عائلة أخرى تسكنه، وعند مراجعتها اللجنة الأمنية في الحي طلبوا منها حضور زوجها بوصفه صاحب العقار من أجل إخراج العائلة، في أسلوب غير مباشر للرفض إذ يتعذر ذلك كون زوجها مطلوب أمنياً. ما دفع العائلة لاحقاً إلى عرض البيت للبيع. وعن طريق الشبكة ذاتها، تقول أم يامن إن العرض توقف عند ١٠ آلاف دولار، واشترط الشاري توكيل محام للفراغة، وإلا سيدفع ثمانية آلاف، وسيتكفل هو بفراغة المنزل بعد إبرام عقد بيع خارجي يعود لتاريخ قديم. ليس أسلوب البيع في البيوت التي جرى احتلالها ممكن، أبو محمود في حديثه لفوكس حلب قال إن منزله المؤلف من طابقين في حي طريق الباب، يسكنه أحد الشبيحة من عائلة بري الشهيرة، وحين عرض منزله للبيع وصله تسجيل صوتي من الذي يسكن بيته مفاده أن البيت لن يشتريه أحد طالما هو على قيد الحياة. يضيف أبو محمود، الذي يسكن حالياً في تركيا، وجود هذا الشخص في منزله كان مقصوداً، لنشاطه خلال الثورة وانتمائه للجيش الحر، “هم يعرفون أني لا أستطيع الحضور وإثبات حقي في المنزل، في الأصل لا يوجد طابو، كل ما أملكه فواتير للكهرباء والماء”. أبو محمود اشترى منزله في عام 2000، بنحو مئتي ألف دولار، لكنه اليوم لا يأمل بتحصيل حقه، خاصة وأن حديثه مع أحد المحامين في المدينة دفعه للتخوف بشكل أكبر، جراء من وضع يد أشخاص على هذه المنازل بعقود مزورة أو بأحكام محكمة، مع انتشار عمليات التزوير والتي تحدثت عن جانب منها صفحات النظام، بالتواطؤ بين السجل العقاري وقضاة في المحكمة والسماسرة. جريدة عنب بلدي أوردت في تقريرين نشرا في عامي ٢٠٢٠ و ٢٠٢١ قصص استحواذ على بيوت في أحياء جبل بدرو وأرض الحمرا والأحمدية ومساكن هنانو بحجة أن أصحابها مطلوبون للنظام، مقابل نقل ملكيتها بعقود بيع دفع فيها أقل من نصف قيمتها، خاصة في المناطق العشوائية الفاقدة للسجلات العقارية، فيما جرى الاستحواذ على القسم الأعظم منها تحت تهديد توريط أصحابها بتهم تتعلق بالإرهاب أو حتى مجرد تواصل أصحابها مع أقرباء لهم في مناطق خارجة عن سيطرة النظام، تخلل ذلك حوادث خطف واعتقال، وكل ذلك جرى فقط بيد ميليشيا واحدة يقودها حسام قاطرجي، أحد رجال الأعمال المقربين من إيران. ويقدر
يسهل مجلس مدينة حلب عمليات الاستيلاء هذه ويمنع أصحاب عقارات من ترميم منازلهم، المبنية في مناطق المخالفات، للتضييق عليهم، في الوقت الذي يتم هدم المنازل المشتراة من قبل السماسرة والميليشيات تمهيداً لإعادة إعمارها وفق المخطط الجديد.
يوجد نحو 4773 مبنى مدمراً كلياً في حلب، إضافة لـ 14680 منزلاً مدمراً بشكل بالغ، و16269 منزلاً مدمراً بشكل جزئي في المدينة، بحسبثقب أسود اسمه تطوير عقاري
خلصنا سابقاً إلى رسم ملامح نشاط عمل السماسرة، وتوزعه ضمن أحياء حلب، لكن ما هو المغزى من هذا النشاط، وفي معرض البحث عن إجابة يمكن الإشارة إلى شرط لافت على أساسه تستحدث ما تسمى بالمناطق العقارية، وهو أن تكون مساحة المنطقة أكثر من ٢٥ هكتاراً في حلب، وهذا ما يفسر سبب تركيز السماسرة نشاطهم ويرسم حدود الأهداف الواجب تحقيقها قبل الانتقال إلى منطقة أخرى. وقبل تناول المناطق العقارية، تتبع فوكس حلب شركات التطوير العقاري في مدينة حلب، وأحصى وجود ثماني شركات تطوير عقاري واحدة فقط تأسست قبل عام ٢٠١١، والجدول التالي يبين أسماء هذه الشركات وأرقام سجلها وتاريخ ترخيصها: زادت هذه الشركات بحسب موقع الاقتصادي، في عموم سوريا، عن مئات الشركات فيما بعد، لكن صفحة الهيئة لم تحدث هذه الشركات التي بقيت كما هي في الموقع الرسمي، وفي تقاريرها عن مدينة حلب وفي اجتماع التطوير العقاري لمنطقة الحيدرية وغيرها ورد ذكر شركات مرخصة في غير مدينة حلب ضمن هذه الاجتماعات، مثل (طحان غلوبال، الاعتماد، يونيكسيم). ما سبق ضروري لوضع مسألة التطوير العقاري والشركات ذات الصلة في سياقها الصحيح لجهة دورها الوظيفي فيما بات يسمى بحرب الأملاك، وبوصفها شكلاً من أشكال وضع اليد على العقارات ومصادرتها، في إطار ما إضافة للأسماء المذكورة سابقا، تجهد إيران على خلق طبقة رجال أعمال جدد شديدة الولاء لها على غرار ما فعله النظام نفسه قبل عقود، ويورد غلى سبيل المثال زياد عواد في دراسة بعنوان “العشائر والسلطة في مدينة حلب” أن أبناء حسين العلوش ينتمون لعائلة غير ذات أهمية وسط عشيرة البقارة، قد تحوّلوا من عمال بناء ومّلاك صغار لبعض المحلات التجارية في حي البلورة الفقير قبل الثورة، إلى أشخاص من كبار أثرياء المدينة. ويضيف ” تملك خالد، قائد لواء الّباقر، وحمزة، القيادي في اللواء، وعمر، العضو في مجلس الشعب عشرات المنازل والمحلات التجارية والمستودعات مقاسم الأرض المعدة للبناء، والتي اشتروها بأثمان بخسة أو زّوروا عمليات شرائها ولاسيما في الأحياء الشرقية والجنوبية، من المدينة مثل باب النيرب والمرجة والفردوس والشيخ سعيد. كما تملكوا مئات الهكتارات من الأراضي الزراعية في الريف القريب جنوب المدينة، فضًلا عن منازل أخرى في مدينة دمشق”. كذلك استولى أفراد من هذه الميليشيات على مئات المستودعات والأراضي الزراعية والمنازل التي تعود ملكيتها للاجئين ونازحين خارج سيطرة النظام. إذ “استولى عزالدين شعبان بري على مئات الدونمات في أماكن مختلفة حول مدينة حلب، وأّجرها لفلاحين أو باعها لمتمولين كبار مثل الإخوة قاطرجي. كذلك استغل عضو المكتب التنفيذي في مجلس محافظة حلب عيسى الإبراهيم (من العساسنة) ترؤسه لقطاع الزراعة ضمن المكتب ليستثمر – أو يتواطأ مع مستثمرين – في مئات الهكتارات من أراضي ريف حلب. وعّوض عمر عاشور (من البقارة)، وهو أحد أكبر تجار حديد البناء قبل الثورة، تراجع مردوده من هذه التجارة بالانتقال لتجارة المنازل الفخمة التي تعود ملكيتها لغائبين، ولا سيما في حي حلب الجديدة وجمعية المهندسين، حيث يملك عاشور اليوم أكثر من 50 منزلاً في هذين الحيين الراقيين”. أما حي البلورة فقد بات الذي يعمل على ، عضو بلدية العيس بريف حلب الجنوبي، وفي حديث مع رئيس المجلس المحلي في بلدة العيس التابع للمعارضة عبد الله العلي أكّد أن المدعو جمال عبد الناصر العبد هو قريب له، وأشار إلى أن المدعو يقاتل في صفوف لواء المدافعين عن حلب المدعوم من إيران، وله ابنان منضويان في حزب الله اللبناني أحدهما قتل خلال معارك شهدها الريف الجنوبي لحلب، ولفت إلى أن”العبد” مقرّب جداً من الميليشيات الإيرانية ويعمل على تسهيل وجودها في الريف الجنوبي والمنطقة، لكنه أشار إلى أنه لا إثبات على قيامه ببيع منازل إنما يستثمر نحو ٢٠٠ هكتار لأقارب له ولسكان بلدة الحاضر ولا يعطي أحداً من عائداتها. في ريف حلب الشمالي الذي سيطرت قوات النظام على قسم كبير منه منذ بداية عام ٢٠٢٠، وفي المنطقة الممتدة بين نبل والزهراء ومدينة حلب، استولت الميليشيات الإيرانية على منازل ومزارع وأراض زراعية في كل من قرى حيان وعندان ومدينة حريتان وخان العسل، بشكل مباشر أيضاً عبر وضع اليد أو شرائها بأثمان بخسة، إذ سيطرت ميليشيات أفغانية على منطقة الملاح التابعة لحريتان، والتي تحولت إلى منطقة مغلقة مخصصة بالميليشيات الأفغانية بعد خلوها من أصحابها الأصليين. أما الأراضي الزراعية في منطقتي حيان وعندان فقد استولي عليها من قبل هذه الميليشيات، إضافة لحزب الله اللبناني، وتزرع اليوم بالحشيش الذي يشكل مورداً رئيسياً لعناصر الميليشيات التابعة لإيران في المنطقة، بينما يسكن قسم صغير من أهالي بدلة حيان داخلها، وهم من الموالين للنظام الذين قاتلوا معه ويتبعون لميليشيات تشكلت في نبل والزهراء، إضافة لعائلات شيعية قليلة لمقاتلين في المنطقة في المنازل التي هجر أصحابها منها، دون قدرتهم على بيعها أو الاستفادة من إيجار منازلهم أو محاصيلهم الزراعية. تبدو حلب، بيئة مثالية لتمدد إيراني أكثر صلابة بالمقارنة مع دمشق، تمدد يلتهم بنية المدينة التحتية الصناعية، وعقارات أهلها، وكل هذا جنباً إلى جنب مع نمو الحسينيات بشكل لافت، إذ أنشأت إيران نحو ٣٥ حسينية و ١٢ مركزاً ثقافياً، ناهيك عن تحويل عدد من المساجد إلى حسينيات، وهو ما دفع الكثير من ناشطي مدينة حلب إلى دق ناقوس خطر أن التغييرات الواسعة الجارية في حلب تستهدفها وفق أكثر من مستوى، والأهم أنها تغييرات بمثابة كرة الثلج التي ستكون معها حلب في المستقبل القريب غير حلب التي عرفوها وهجروا منها، أو حتى بالنسبة للباقين فيها ممن يراقبون هذه التبدلات بصمت بلا حول ولا قوة. المركحز الصحفي السوري عين على الواقع










