للمرة الأولى في تاريخ النظام الحالي في السودان، يتعانق العلمان الوطني والأميركي في سماء الخرطوم، وذلك ليلة إعلان قرار مثل تعيين قنصل عسكري أميركي وآخر سوداني في البلدين، إلى جانب مشاركة الخرطوم ضمن فعاليات مؤتمر “الأفريكوم” لأول مرة، وما يثار عن اتجاه أميركي لإنشاء قواعد عسكرية في السودان لمحاربة الإرهاب. ويأتي رفع العقوبات كخطوة أولى ينتظر أن يتبعها خطوات أخرى وصولاً لسحب اسم السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب. لكن وزير الخارجية إبراهيم غندور، نفى وجود صفقات أو إملاءات خارجية وراء رفع العقوبات، وأكد أن ما تم محصور في حدود المسارات الخمسة التي جرى التفاوض عليها.
وقالت مصادر لـ”العربي الجديد” إن هناك اتفاقاً سودانياً-أميركياً للبدء فوراً في تنفيذ خارطة طريق جديدة تحكم وتضبط التعاون بين البلدين وتمثل انطلاقة لحوار حول رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب. وأكدت المصادر أن الخارطة المذكورة تشتمل على بنود صعبة، تلزم الخرطوم بوضع المصالح الأميركية وأولوياتها في الاعتبار، فضلاً عن اشتمالها لمطالب داخلية تتصل بسجل حقوق الإنسان ووقف الحرب في النيل الأزرق وجنوب كردفان ودارفور وإطلاق الحريات عامة لا سيما الصحافية والدينية منها.
لم يأت القرار الأميركي برفع العقوبات الاقتصادية، خالياً من الرقابة والتقييم والتهديد، إذ حمل محاذير للحكومة السودانية جعلت الباب موارباً للعودة لنقطة العقوبات، فضلاً عن ممارسة مزيد من الضغط في حال تراجعت الخرطوم عما أحرزته من تقدم في المسارات المتفق عليها، أو في حال سجلت انتهاكات في وتفتح الباب للاستثمارات وتدعم الجنيه السوداني مقابل العملات الصعبة وتسهم في دمج اقتصاد البلاد في الاقتصاد الدولي. وكان الدولار الأميركي قد تراجع قبيل إعلان قرار رفع العقوبات من 21.5 إلى نحو 18 جنيهاً، لكنه سرعان ما عادت قيمته وصعدت خلال يومين فقط، ليصل إلى 19.5 جنيهاً للدولار الواحد.
ويعتقد محللون أن خطوة رفع العقوبات والحوار السوداني-الأميركي من شأنهما أن يقودا لتغييرات في سياسة البلاد الداخلية والخارجية، وأن تولد عنهما تحالفات جديدة بالنسبة للخرطوم. ويرى هؤلاء أن تغييرات كبيرة ستتم على المستوى الداخلي يتنازل عبرها النظام عن كثير من الشعارات التي ظل يرفعها منذ وصوله الحكم عام 1989، في ظل توقعات بأن يكون الإسلاميون داخل وخارج البلاد هم من سيدفع الثمن لهذه التحالفات السودانية الجديدة في الداخل والخارج. ويرجح محللون أن تذهب الخرطوم وحركة حماس وحزب الله، ومع التحول الجديد سيتوقف عن دعم وتبني تلك المجموعات، خاصةً أن تمسكه بها في أوقات سابقة كان للضغط والمراوغة لإيفاء واشنطن بالتزاماتها تجاهه”، على حد قول المحلل.
وفي ما يتعلق بإسرائيل، يرى أبو الجوخ أن كل ما ترغب فيه تل أبيب من الخرطوم حصلت عليه بقطع علاقاتها مع طهران والحد من إيصال السلاح لحركة حماس. وأشار إلى أن “إسرائيل ما تطلبه من الخرطوم هو ألا تتخذ موقفاً عدائياً تجاهها”، وهو ما فعلته الخرطوم وزادت عليه بتصريحات وزير خارجيتها ووزراء آخرين حول عدم وجود مانع في تطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال.
بدوره، يرى رئيس “حركة الإصلاح الآن”، غازي صلاح الدين، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن قرار رفع العقوبات يحتاج لقرارات أخرى ليصبح مؤثراً على الحالة الاقتصادية في السودان، بينها سحب اسم هذا البلد من قائمة الدول الراعية للإرهاب. ويرجّح أن يدفع الحوار الأميركي-السوداني بقائمة جديدة تحكم وتضبط التعاون بينهما، تتطلب الالتفات إلى الداخل وتعزيز الوحدة الداخلية وإحالة الحوار الوطني الذي تم أخيراً في البلاد، إلى مشروع سياسي ملموس بما في ذلك تكثيف الاتصالات مع القوى المختلفة لوقف الحرب. ويستبعد أن يهدد التقارب السوداني-الأميركي، تيار الإسلاميين، كما يستبعد تماماً أن تتجه الحكومة للتطبيع مع إسرائيل، بحسب قوله.
ويعترف وزير المالية السوداني، محمد عثمان الركابي، بأن انفراج الأوضاع الاقتصادية في السودان يتطلب إجراءات عديدة لإعادة التعاون مع المجتمع الدولي، لافتاً إلى أن خطوة رفع العقوبات لن يظهر أثرها سريعاً على الناس. بدوره، يذكّر الخبير السياسي، الطيب زين العابدين، بأن رفع العقوبات كان سارياً فعلياً بالنظر لتجميدها لتسعة أشهر لكن “أوضاع الاقتصاد السوداني لم تسمح بالاستفادة من ذلك لأن المشكلة الأكبر تكمن في السياسة الاقتصادية للبلاد”. كما اتفق مع الرأي القائل بأن بقاء وجود السودان في قائمة الإرهاب الأميركية سيمنع عنه الاستثمار الأميركي في مجال النفط، باعتباره محظوراً بموجب قانون سلام دارفور ومحاسبة السودان.
العربي الجديد






