غازي دحمان – العربي الجديد
واستدعاء قوى إقليمية ودولية، واستئجار مرتزقة ومليشيات خارجية. وبالتزامن مع ذلك، اشتغلت ماكينة هائلة من مفاوضات شكلية وقرارات مجلس أمن لم تر النور، وحروب كلامية أنتجت جعجعةً، وطحنت الشعب السوري، الشعب السوري المعارض، ولأول مرّة يثبت أن الجعجعة تطحن لحماً ودماً وأرزاقا، فيما الأسد يأخذ وقته الكافي لإنتاج مجتمع سوري متجانس.
واليوم، يعتقد بشار الأسد أنه وصل إلى المرحلة التي يجني فيها الأرباح خالصة، نتيجة جهد دام ثماني سنوات، لا يريد أن يعبر مراحل المصالحات ولجان الحقيقة، والتئام جراح المجتمع السوري. بالنسبة له المصالحة تعني التخلص من معارضيه ونفيهم إلى إدلب، ليتفرغ بعد ذلك لإبادتهم مرّة واحدة للأبد، أما الحقيقة فبالنسبة له أن هؤلاء خونة، لأنهم ثاروا على أسيادهم، ولا يريد حتى إنجاز دستور جديد، يؤشر إلى أن البلاد ستدخل مرحلة جديدة مختلفة نسبياً، ذلك كله لا يعنيه.
ما يعني الأسد، ويستعجل القيام به، إعادة الإعمار، لإدراكه أن الثروات يمكن جنيها في حالتين، دمار حضارة أو تشييد حضارة. وهو أنجز المرحلة الأولى، وكسب ما كسب، والآن يجهّز للمرحلة الثانية، التشييد. ويطمح، في هذه المرحلة، مكافأة حلفائه، روسيا وإيران، عبر منحهم عقود استثمار الثروات السورية، من غاز وفوسفات ونفط وشركات اتصالات، ويريد مكافأة أنصاره في الداخل، عبر منحهم أسهما وأملاكا وعقارات، على حساب الأكثرية المنهزمة.
لم تشهد الحروب الأهلية الحديثة نتائج مثل التي يريد الأسد الحصول عليها، لا في رواندا ولا لبنان أو هندوراس، أو غيرهم، كما لم تشهد التمرّدات في كولومبيا ونيجيريا حصول تغييرات ديمغرافية واقتصادية بالحجم الذي يبتغيه الأسد. في كل هذه الحالات كان يتم تغيير النظام السياسي، أو تكييفه، للتوافق مع مرحلة جديدة، في سورية وحدها يجري تغيير الناس؟
لكن من قال إن الحرب انتهت؟ أو إن الأسد انتصر؟ مؤكد أن ضعف الخصم أو تراجعه ليس مؤشراً يكفي لبناء هذا الاستنتاج. وتؤكد الوقائع على الأرض هذه الحقيقة، مثلما أن الأيام المقبلة حبلى بمفاجآت على أكثر من مستوى.







