خورشيد دلي – العربي الجديد
لم يكن تسريب الإدارة إلا تعبيرا عن بحث هذه الإدارة عن استراتيجية عملية لسحب قواتها من
القوات الأميركية من سورية، ما لم تغط السعودية التكلفة المالية لبقاء هذه القوات، ويبدو أن هذا الهدف تحقق في ظل الحديث عن استعداد سعودي لهذا التمويل. تنفيذ الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ضربات جوية على مراكز ومقار للنظام السوري، على خلفية استخدامه السلاح الكيميائي في دوما. الحديث عن نية الولايات المتحدة إقامة ما يشبه منطقةً تتمتع بحكم ذاتي في جنوب سورية، وتحديدا في مدينة درعا، أشبه بما هو قائم في شرقي الفرات من خلال التعاون مع الأردن. وعليه، تبدو في ظل هذه التطورات فكرة إنشاء قوة عربية في سورية منسجمة مع استراتيجية ترامب التي تقوم على تحميل الدول العربية مسؤولية الأعباء المالية الناجمة عن استمرار استراتيجية بقاء النفوذ الأميركي في مواجهة المشروع الإيراني في سورية ومنطقة الشرق الأوسط، ومحاولة دفع مصر إلى الانخراط في هذه المواجهة، على اعتبار أن الولايات المتحدة تقدم لها مساعدات مالية سنوية، فيما بات معروفا أن ترامب لن يقدم مساعدات لأي دولة أو طرف من دون خدمات في المقابل. المقومات غير متوفرة أولا، ومن ثم إنها ستزيد من حدة النزاع في سورية. وعليه، قد تتخلى الولايات المتحدة عن هذه الفكرة، بسبب العقبات والمخاطر الكثيرة. لكن بعد أن تؤمن التمويل اللازم لبقاء قواتها في المرحلة المقبلة، ريثما يتم التوصل إلى تسويةٍ سياسيةٍ للأزمة السورية.
وثمّة من يرى أن فكرة إرسال قوات عربية لتحل محل القوات الأميركية إلى سورية أقرب إلى الخيال، بسبب كثرة العقبات والتحديات والتداعيات المحتملة، ولعل من أهم العقبات: أن السعودية والإمارات غارقتان في الحرب في اليمن، بل ثمّة مخاطر باتت تهدد الأراضي السعودية مع قصف الحوثيين الصاروخي اليومي السعودية، فكيف لهاتين الدولتين إرسال قوات إلى سورية في هذه الظروف؟ في حال قرّرت الدولتان إرسال مثل هذه القوات إلى سورية تحت الضغط الأميركي، كيف لهذه القوات، وكذلك القوات المصرية، أن تعمل مع القوات القطرية في ظل الأزمة المتواصلة بين هذه الدول وقطر؟ مصر وعلى الرغم من أنها تبدو الدولة الوحيدة القادرة على إرسال هذه القوات إلى سورية، إلا أنها قد تجد صعوبة كبيرة في اتخاذ هذا القرار، فقد سبق أن رفضت إرسال قوات إلى اليمن.
وبغض النظر عن هذه الصعوبات والعقبات، فإن الأهم يتعلق بالتحديات المتعلقة بمهام هذه القوات، والسؤال هنا: ما هو الهدف الأساسي من إرسال هذه القوات؟ أولا، من الصعب تخيل أن هذه القوات ستذهب لمحاربة الجيش السوري، في ظل عدم مطالبة هذه الدول بإسقاط النظام، فحتى السعودية التي كانت تطالب سابقا برحيل الرئيس بشار الأسد، قال ولي عهدها محمد بن سلمان أخيرا في واشنطن إنه ينبغي القبول بحكم الأسد. وعليه، ثمّة صعوبة في إقناع الدول المذكورة بمهمة هذه القوات، خصوصا وأن معركة القضاء على “داعش” تبدو في نهايتها.
ثانيا، إرسال قوات عربية إلى سورية من دون موافقة النظام يفتح باب المواجهة بينها وكل من النظام السوري و
رابعا، ثمّة من يرى أنه، على الرغم من هذه العقبات الكثيرة، فإن دول الخليج، وتحديدا السعودية والإمارات، ستعملان على إنجاح المقترح الأميركي، ولكن ليس من خلال قوات البلدين، وإنما من خلال فكرة إرسال قوات من السودان والأردن وباكستان، وربما غيرها من الدول العربية والإسلامية إلى سورية، على أن تقدم الدولتان التمويل. وثمّة من يرى أن هذه الفكرة قد تكون عملية أكثر، نظرا لحساسية إيران والنظام السوري من إرسال قوات سعودية إلى سورية، واحتمال أن يفجر هذا الأمر حربا واسعة بين السعودية وإيران على الأراضي السورية.
وعلى الرغم من كل ما سبق، تبقى فكرة نشر قوات عربية وإسلامية في سورية مهمة للإدارة الأميركية وحلفائها في المنطقة، فالثابت أنه لا يمكن تصور انسحاب أميركي من سورية قبل نشر مثل هذه القوات، لأن غير ذلك يعني انتصار المشروعين، الإيراني والروسي، في المنطقة، وهو ما لا تقبل به لا الولايات المتحدة ولا السعودية والإمارات. وعليه، سيتركز الجدل في المرحلة المقبلة على عدد هذه القوات، ومن أي دولة، وتحديد مهام هذه القوات، وأماكن تمركزها. وفي جميع الأحوال، يمكن القول إن إرسال هذه القوات إلى سورية سيشكل منعطفا جديدا في الأزمة السورية، سيما لجهة احتمال حصول مواجهات كبرى، ولعل من رحم هذه المرحلة قد نجد تحالفات مختلفة أو جديدة، في ظل الحديث عن إعطاء الولايات المتحدة وضعية خاصة لعلاقة السعودية بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، على شكل حليفٍ رئيسي خارج الحلف، كما هو حال العلاقة مع إسرائيل، وذلك مكافأة للسعودية في حال وافقت على إرسال قوات عربية إلى سورية.







