منذ سقوط الدولة العثمانية نشأت دول حديثة بمفهومها الحديث، حيث تحكمها شخصياتٌ حوّلت البلاد إلى مزارعٍ خاصة، وكل الشعوب عبارة عن عبيد يعملون ضمن هذه المزارع ولصالح إلى المؤتمر يشبه دخول الفاتحين وقاهري الأعداء والقادة العظماء الذين انتصروا في معاركهم على أعداء الوطن والشعب، ولكن دخوله للأسف يعيد الأمة إلى زمن ما قبل الربيع العربي. هذه القمة تمثل إعادة إحياء المنظومة العربية المستبدة التي لا تقبل الحريات للشعوب ولا الديمقراطية، ولقد كان ذلك جلياً في البيان الختامي للقمة، حيث لم يُذكر أي مصطلح يرمز إلى الديمقراطية والحرية، ولا أي نوع من التغييرات السياسية التي تطمح لها الشعوب العربية.
لا مكان للذين يقولون “لا” في هذه المساحة الجغرافية الواسعة والشاسعة، هذا هو الرد للمنظومة العربية على الثورات العربية التي حصلت منذ عقدٍ ونيف، فهذه الكلمة تُؤرق الطغاة وتزعج العبيد وتؤلم المستبدين وتزعج الضعفاء والمساكين. فلقد خرج الملايين من الناس عند بداية الربيع العربي يقولون لا للأنظمة الاستبدادية والقمعية، فكانوا يحلمون بإسقاط الأنظمة السياسية التي دمّرت أحلامهم وجعلت أقصى طموحهم الحصول على وظيفة متواضعة يستطيع فيها الفرد أن يأكل ويشرب ويؤسس عائلة؛ بالكاد يؤمن لها قوت يومها، فلقد حلموا بدولة قادرة على إنتاج ثقافات جديدة وقادرة على أن تتقبل التنوع الثقافي والديني و من أجل تغيير الرأي العام لهذه الثورة، ولقد نجحوا في ذلك، فوضعوا الشعب السوري أمام خيارين؛ إما النظام وإما الإرهاب. هكذا تم إسقاط مفهوم الثورة ورمزيتها من عقول الملايين الذين حلموا بالحرية والتغيير، واليوم يكافَأ النظام على ما فعله بحمزة الخطيب والساروت وغيرهم من الذين قضوا نحبهم في سبيل الكرامة والدولة المدنية ودولة القانون؛ التي تتسع لجميع المكونات العرقية والطائفية والدينية.
عادت المنظومة القديمة وانقضّت على جميع الثورات التي قامت بها وإخراجه من العباءة الإيرانية والمليشيات الطائفية عبر عودته إلى الجامعة وإغرائه بالمال ومزايا اقتصادية أخرى، ولكنها للأسف مقاربة خاطئة، فغفل عنهم أن المستبد الذي يعتقد أنه لم يُهزم في الحرب لن تغريه الدبلوماسية وأموالها، فهو سوف يحصل عليها عاجلا أم آجلا.
لو قمنا بالتشريح البنيوي للخطاب السياسي الذي أطلقه رئيس النظام بشار الأسد في قمة جدة على الطريقة الفوكوية (ميشال فوكو) سندرك أن هذا النظام لم لن يتغير، وهذا ما عبّر عنه وزير الخارجية فيصل المقداد، فإن رأس النظام يعتبر نفسه منتصراً وجاء كي يعلّم الآخرين عدة دروس، لقد أعطاهم دروساً في العروبة والتفريق بين عروبة الانتماء وعروبة الأحضان، لقد أعطاهم دروساً في عملية الاستنهاض واستغلال اللحظات التاريخية من أجل الخروج من التبعية الغربية والليبرالية وشرورها وطروحاتها المخالفة للفطرة، أعطاهم لمحة تاريخية عن النوايا للإمبراطوريات الغابرة التي تسعى تركيا اليوم لإحيائها الوريث الشرعي للدولة العثمانية.
لقد كانت حفلة استعراض بامتياز ودروس وعِبَر، وللأسف غابت عنهم مقولة ينهض بالأمة، ويحتاج للتضحية من أجل الحصول على العلوم الفلسفية والعقلية والمادية وبناء الرجال وتكوين هوية مترسّخة ووعي مرتفع.. لا تغيير دون استخدام أدوات النهضة وشروطها الصحيحة من أجل مواجهة الطغيان والاستبداد.









