شكلت الثورة السورية حدثاً زلزالياً، وصلت ارتداداته إلى واشنطن غرباً وأقاصي روسيا شرقا، فهو الحدث الذي أقحم الدول الكبرى في تفاهمات لم يكن أحد ليتوقعها، ولم تكن واردة في حسبان أكثر الساسة استقراءً للمستقبل السياسي العالمي.
أجبرت الثورة السورية الخصوم الكبار على الجلوس حول طاولة واحدة ليتباحثوا المصالح والقواسم المشتركة فيما بينهم وليضعوا تصوراً مشتركاً يحمي تلك المصالح أو يمنعها – على أقل تقدير – من التصادم فيما بينها.
السوريون والوجهة الحتمية للجوء: الحديث عن الثورة السورية لا يمكن فصله إطلاقا عن الحديث عن في القصر الجمهوري! لم يكن من المنطقي بمكان الفصل بين ما يجري على الساحة التركية – التركية وذلك الذي يجري على الساحة السورية – التركية، بل انزاح الستار عن عمليات تنسيق مباشرة بين عناصر استخبارات الأسد في تركيا وعناصر تنظيم غولن لنرى تفجيرات إرهابية تطال المدن التركية، وعمليات اغتيال لنشطاء سوريين في الولايات الجنوبية القريبة من الحدود السورية.
دفعت تعقيدات المشهد بالجميع للتأمل في الساحة والخيوط المتقاطعة والمتوازية سواء، فمن غير المعقول أن تكون كل تلك الحوادث محص صدفة أو وليدة تنسيق ارتجالي، فمن المؤكد وجود أصول سابقة ترتكز على تخطيط عميق، ومع تتبع تلك الخيوط كان الوصول إلى صورة أولية للمشهد الخام، ذلك المشهد المعرّى من كل مساحيق التجميل السياسية، لقد كان الأمر صادماً، فاق كل التوقعات، فلم يكن بالحسبان أن تكون الأمور على هذا النحو من الدقة والتخطيط، إذ كيف لنظام يوشك على السقوط أن يدير كل تلك الخيوط في بلد مجاور بمفرده! لا بد من وجود شريك أساسي له يملك القدرة على التحرك بأريحية ويملك العناصر الفاعلة والمؤثرة في مفاصل الدولة المستهدفة.
اتضح فيما بعد مدى التنسيق بين تنظيم غولن ونظام الأسد، ولم تكن شخصيات من قبيل معراج أوزال سوى دمى لذر الرماد في العيون وحرف كل عين تتبع الخيوط عن المسار الحقيقي، أراد نظام الأسد أن يظهر الأمر على أنه تعاطف عرقي ووحدة رؤى، فسلط الضوء على معراج أوزال ليجعل المشهد محصوراً بهذه النقطة دون سواها.
بداية الحقيقة: خيوط الأسد – في تركيا – الممتدة حتى قنديل شرقاً والمرتدة حتى بنسلفانيا غربا لم تكن لتصمد طويلاً في الخفاء، فرأينا إسقاط المقاتلة الروسية وما تلاه من عزل لتركيا وتقوقع لها وكف يدها عن التأثير في المشهد السوري، لتصول وتجول عصابات قنديل في الشمال السوري وليتمدد نظام الأسد في ريف حلب مستلماً من داعش القرية تلو الأخرى والمدينة تلو الأخرى عبر مسرحيات مملة لم تكن لتنطلي على أحد.
كان التوجه لعزل تركيا، وإضعافها عبر توريطها في صراعات كبرى مع روسيا، والإبقاء على حالة التوتر الداخلي في الناتو الذي لم يف بوعوده والتزاماته تجاه تركيا الدولة العضو في هذا الحلف، مع افتعال الأزمات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، لتجد تركيا نفسها محاصرة من كل الجوانب بالتوازي مع تأجيج الشارع التركي ضد الحكومة التركية عبر حوادث هنا وهناك، تنوعت ما بين ادعاءات بقمع لحرية الرأي وصولاً للاتهام المباشر بالفساد!
ضربة معلم: كان المخطط محكماً بحيث يتم إسقاط النظام الديمقراطي في تركيا بأقل الخسائر الممكنة، لكن الالتفاف التركي على العزلة التي فرضت عليه وحله للأزمة مع روسيا فتح الباب لتركيا لتعود مجدداً للساحة السورية من بوابة الشمال، فدخلت القوات التركية لتحارب داعش في مدينة الباب ولم يقتصر الأمر على هذا النحو بل تعداه للتغطية الجوية الروسية لهذا الدخول وإن كان عبر طلعات قليلة، فالعبرة في الكيف لا الكم.
كان للدخول التركي مجدداً إلى الساحة السورية أثراً ارتدادياً محبطاً للتعاون ما بين الأسد وغولن، فكان لا بد من قطع دابر هذا الدخول عبر إعادة الأمور إلى نصاب القطيعة بين روسيا وتركيا، فكانت حادثة اغتيال السفير الروسي في تركيا، التي اتضح فيها بعد أنها من تدبير تنظيم غولن.
كان للتفاهم التركي – الروسي قيمة كبيرة في وأد هذه المحاولة في مهدها، بل تحاوز الأمر وأد هذه المحاولة إلى رفع درجات التنسيق بين







