اختتمت داريا آخر فصول التحدي والمقاومة، بنهاية تراجيدية خاطفة أذهلت السوريين على اختلافهم.فالبقعة التي احتضنت “الثورة البيضاء” وحافظت على رونقها خمسة أعوام دون أن تشوهها “لوثات”الداعمين وأدلجتهم، وشكّلت للنظام وتشكيلاته العسكرية هاجسًا أمنيًا وسياسيًا، أصبحت بين ليلة وضحاها في عهدة الأسد بعد فصول من التدمير والتهجير.
مصير داريا ذكّر ناشطي الثورة السورية بما حلّ بمدينة القصير في ريف حمص الغربي، والتي دمّرت ثم أفرغت من أهلها لتصبح
خمس معلومات مهمة عن مدينة داريا
اعتمد التقرير على بيانات المجلس المحلي في داريا والشبكة السورية لحقوق الإنسان. |
ضمن نفوذ “حزب الله” اللبناني منذ ثلاثة أعوام، كما أعادت الحادثة للأذهان تفريغ أحياء حمص القديمة قبل ما يزيد عن عامين، بعد حصار دام أشهرًا طويلة ودمار لمعظم أحيائها، وهو ما نراه أيضًا في مدينة الزبداني شمال غرب دمشق، والتي قد تؤول كليًا لـ “حزب الله” والنظام على حد سواء، ولا نعلم ما هي المدن المستهدفة مستقبلًا.
وبينما تعد عنب بلدي هذا التقرير، ظهيرة السبت 27 آب، خرجت القافلة الثانية (والأخيرة) من الحافلات دون عودة قريبة، وفقًا للمعطيات الميدانية، إذ ستصبح إدلب موطنًا جديدًا لمقاتلي “الجيش الحر” في داريا، بينما ستكون مراكز الإيواء التي أنشأها النظام في بلدة حرجلة بريف دمشق الغربي مستقرًا مؤقتًا لحوالي ألف عائلة.
لماذا تدهورت الأوضاع في داريا؟
لم يكن تفريغ داريا من رجالها حدثًا مفاجئًا لمن راقب المجريات الميدانية فيها منذ مطلع العام الحالي، ورصد النداءات المتكررة لمجلسها المحلي وناشطيها، أن أنقذوا داريا قبل فوات الأوان، إلا أن سياسة النظام السوري في تمكين الحصار كانت ثابتة ومستمرة دون تراجع، إلى أن طويت صفحة المدينة على هذا النحو.
مع مطلع العام، نجحت قوات الأسد في فصل مدينتي داريا ومعضمية الشام بشكل كامل، في معارك كانت الأعنف بمواجهة “الجيش الحر”، الأمر الذي انعكس على الواقع المعيشي في داريا، وحرمها من مصدر غذائي كانت تعتمد عليه خلال أشهر مضت، ما عزز حصارها من الاتجاهات الأربعة، وهو ما دفع ناشطيها آنذاك إلى التحذير من مخططات النظام السوري في خنق المدينة.
عاشت داريا هدوءًا ملحوظًا منذ مطلع آذار الماضي، بالتزامن مع اتفاق تهدئة شمل مساحات واسعة من سوريا، إلى أن استأنفت قوات الأسد عملياتها العسكرية في محيط المدينة، وقصفها بمختلف أنواع الأسلحة برًا وجوًا، ابتداءً من منتصف أيار وحتى 25 آب، إذ كانت هذه الفترة هي الأصعب على المدينة منذ مطلع الثورة ضد بشار الأسد.
ويمكن لنا عنونة المرحلة الأخيرة من حصار داريا بـ “قضم الأطراف”، إذ اعتمد النظام على التقدم البطيء يوميًا من المحورين الجنوبي والغربي، فنجح حتى أواخر تموز الفائت بالاستحواذ على ما تبقى من أراضٍ زراعية كانت سابقًا تحت سيطرة “الجيش الحر”، مستغلًا الغطاء الجوي والقصف التمهيدي بمئات القذائف المتنوعة يوميًا، ومن ثم التقدم بالدبابات وكاسحات الألغام، فتقلصت مساحة السيطرة من حوالي عشرة كيلومترات (قبل مطلع عام 2016) إلى أقل من أربعة كيلومترات (حتى 25 آب الجاري)، ليحتشد جميع من تبقى من سكانها ومقاتليها في هذه الرقعة الجغرافية الضيقة.
كل هذه الظروف مع إمعان الأسد بحصار داريا وحشر سكانها ومقاتليها في أبنية مهدّمة لا تصلح للسكن، واستهدافهم اليومي بعشرات البراميل والأسطوانات المحملة بمادة “النابالم” الحارقة، جعل ظروف العيش والاستمرار بالمواجهة أمرًا مستحيلًا، بل إنه كان مستحيلًا بالأصل قبل الحملة البرية والجوية الأخيرة، كما رصدت عنب بلدي في منشورات ناشطين وسياسيين سوريين.
المجتمع الدولي شريك في الجريمة
لا ريب أن المجتمع الدولي، بما فيه الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، كان شاهدًا على عملية تفريغ داريا من سكانها، ومراقبًا يوميًا للعمليات في محيطها، والغارات بمختلف أنواع القنابل الحارقة والمتفجرة (الممنوعة والمسموحة دوليًا)، إلا أنه لم يحرك ساكنًا، ما دعا ناشطي سوريا إلى وصفه “شريكًا في الجريمة”، حيث دمرت قوات الأسد المدينة الكبيرة وهجّرت جميع سكانها، دون أي إجراء قانوني يكفّ يد النظام عنها.
تنصلت الأمم المتحدة، بدورها، من اتفاق التهجير القسري، وأعرب مبعوثها الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا عن أسفه لعدم الاستجابة للدعوات المتكررة لرفع الحصار المفروض عليها منذ تشرين الثاني 2012، مؤكدًا أن “الأمم المتحدة لم تشارك في المفاوضات ولم يتم التشاور معها بشأن الاتفاق”، رغم إحاطة مكتبها في دمشق بذلك، ومؤكدًا على “ضرورة حماية سكان داريا في سياق أي عملية إجلاء، وأن تتم تلك العملية بشكل طوعي”.
حالة صمم أصابت مؤسسات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي حيال البيانات التحذيرية التي أطلقتها مؤسسات المجتمع المدني في سوريا، والتي كان آخرها منتصف تموز الفائت إذ وقّعت نحو 95 منظمة حقوقية ومدنية وإعلامية سورية، إلى جانب 250 ناشطًا وصحفيًا سوريًا، على بيان مشترك، طالبوا من خلاله بالتدخل الفوري من قبل المجتمع الدولي، لإنقاذ المدنيين المحاصرين في داريا، إلا أن أحدًا لم يتحرك، وكانت النتيجة كما نراها اليوم.
لا ينطلي الأمر على داريا فقط، فأصبح عرفًا لدى مناهضي النظام السوري أن الأمم المتحدة تنحاز بشكل واضح للأسد وحلفائه، فكم من بلدة حوصرت وجوّع أهلها كحال مضايا والزبداني والوعر وأخيرًا أحياء حلب الشرقية، كل ذلك قوبل بإدانات خجولة، جعلت أكبر مؤسسة دولية في العالم صغيرة بنظر السوريين.
تصريحاتجاء وقع تفريغ مدينة داريا من سكانها ومقاتليها على مرأى المجتمع الدولي والأمم المتحدة ثقيلًا على ناشطي الثورة السورية والمعارضة السياسية والعسكرية، كذلك كان لمثقفين وسياسيين عرب رأيهم في هذه الحادثة المفصلية. “يحتفي النظام وأنصاره بالصورة، يقولون انتصرنا في داريا، لم تنتصروا، جوعتم أهلها ولو استطعتم منع الهواء عنهم لفعلتم”. الصحفي والإعلامي السعودي جمال الخاشقجي
“كل العالم تآمر على الشعب السوري وتركت داريا وحدها تواجه وتقاوم تحالف جهنم من كل حدب وصوب.. إن داريا اليوم هي الساحة الحمراء للشعوب المقهورة، أما الساحات الأخرى فهي ساحات الاستبداد والقهر”. النائب اللبناني وليد جنبلاط“كانت داريا أسطورة صمود وستبقى، وسوف تنتقل روحها عبر مقاتليها لتعم داريا الكبيرة، سوريا كلها، بعد تركها داريا الصغيرة”. المعارض والمفكر السوري برهان غليون“داريا ملحمة بطولة وصمود أسطوري من الثوار ومن الناس.. بعد أربع سنوات من القتل والتدمير والتجويع، لم يكن بوسع الثوار سوى القبول بما تم أمس”. الكاتب والصحفي الأردني ياسر الزعاترة“داريا 2016 تصير توأم بيروت 1982، وجند بشار الأسد هنا اليوم ما عادوا يشبهون إلا جند أرئيل شارون هناك بالأمس”. الصحفي الفلسطيني ماجد عبد الهادي“وقعت داريا وأبطالها تحت حصار مخزٍ ولم نسمع عقد اجتماع أو مجلس لمساعدتها أو فك الحصار عنها، لأنهم داسوا كبرياء الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري”. مؤسس “الجيش الحر” العقيد رياض الأسعدأطفال بداريا في ريف دمشق قبل مغادرتهم المدينة 27 آب 2016 (عنب بلدي)
|








