متى بدأ البشر الأوائل طهي الوجبات النشوية؟

كيف كانت وجبات أجدادنا من البشر الأوائل؟ كان هذا مدعاة لتساؤل العلماء واختصاصيي التغذية لعقود.

في موقد قديم بكهف بوردر في جنوب أفريقيا اكتشف الباحثون حديثا بقايا نباتية متفحمة أكثر قدما بـ50 ألف سنة عما تم اكتشافه من أدلة أثرية في السابق.

تمثل الكربوهيدرات النباتية أكثر من نصف نظامنا الغذائي حول العالم، وهناك أدلة وراثية تشير إلى أن التحول لنظام غذائي معتمد على النشويات قد حدث منذ حوالي 300 ألف عام، وذلك من خلال ما تم رصده من زيادة نسبة الجينات التي تجعل هضم المواد النشوية أمرا سهلا.

لكن الأدلة الأثرية التي تدعم هذه الفرضية قليلة، فاصطياد الحيوانات وقتلها ثم أكلها سيخلف العظام وبعضا من الأدوات الصغيرة والتي يمكن تتبعها لمعرفة نظامك الغذائي، لكن إن كانت وجبتك من البطاطس فكيف يمكن تتبعها؟

لا حاجة للصيد
يعد الزنجبيل والكركم أمثلة للساق النباتي الذي قد يكون جزءا من نظامك الغذائي حاليا، إذ يقوم هذا الساق بتخزين النشا في أعضاء منتفخة تحت الأرض كما تفعل غيرها من النباتات الأرضية.

بعض هذه النباتات الأرضية تعد صالحة للأكل، في حين أن بعضها الآخر قد يكون ساما أو غير قابل للهضم، ومن هنا كانت الحاجة إلى الطهي والتحميص اللذين من شأنهما أن يجعلا كل الأصناف -وأحيانا السام منها- قابلة للهضم، كما أنهما يسهلان عملية المضغ.

كما أن طهي وتحميص الساق النباتي وغيره من المواد النشوية قد يحمل الأدلة اللازمة لاقتفاء النظام الغذائي للبشر الأوائل.

الدليل الأقدم على طهي الطعام
في بحث سابق نشر في يونيو/حزيران 2019 أعلن الباحثون عن اكتشاف بقايا درنة متفحمة يعود تاريخها إلى حوالي 120 ألف عام مضت، وكان ذلك أقدم دليل على قيام البشر بطهي النباتات النشوية.

غير أن ما أعلنه فريق الباحثين في جامعة ويتوترسراند بجنوب أفريقيا في دراستهم التي نشرت في دورية ساينس في الثالث من يناير/كانون الثاني الجاري كان ثوريا، إذ تمكنوا من اكتشاف بقايا ما بعد الطهي لساق نباتي يرجع عمره إلى 170 ألف عام.

وتقول الدكتورة لين وادلي -الباحثة في معهد الدراسات التطورية بجامعة ويتوترسراند في جنوب أفريقيا فيما نقله عنها موقع “فيز. أورغ” إن “سكان هذا الكهف كانوا يطهون النباتات النشوية قبل 170 ألف عام، لذا فإن اكتشافنا يعد أقدم بكثير عما أشارت إليه الدراسات السابقة، كما أنه لا يسلط الضوء على الممارسات السلوكية لأجداد الإنسان الحديث في جنوب أفريقيا فحسب، بل يبين مشاركة بعضهم البعض في الطعام واستخدامهم العصي الخشبية لاستخراج النباتات من الأرض”.

سعرات حرارية عالية بتكلفة أقل
تقول الدكتورة كريستين سيفرز المشاركة في الدراسة إنه “من غير العادي أن تبقى هذه النباتات الهشة لهذه الفترة الطويلة”، فأثناء عمليات الحفر والتنقيب تعرف الباحثون إلى أسطوانات صغيرة متفحمة تشبه الساق النباتي لزهرة النجمة الصفراء، واحتوت العينات المكتشفة في الموقد القديم على نباتات زهرية من فصيلة “الهيبوكسيس” (Hypoxis) مثل البطاطس الأفريقية.

كما أن الساق النباتي الذي تم الكشف عنه من نوع “هيبوكسيس أنجستيفوليا” (H. angustifolia) يشبه إلى حد كبير أحد الأنواع النباتية الموجودة حاليا في الكثير من الصحارى الأفريقية وفي جنوب شبه الجزيرة العربية، ففي يومنا الحالي يوفر هذا الساق سعرات حرارية عالية لصائدي الحيوانات في الصحارى الأفريقية.

وعلى الرغم من أنه صالح للأكل في حالته النيئة فإن نبات الأنجستيفوليا ذو ساق ليفي ومقاوم للكسر حتى يتم طهيه، لذا كان من اللازم “طهي هذه السيقان النباتية الغنية بالألياف حتى يسهل تقشيرها وهضمها بشكل يمكن من استهلاك المزيد منها والحصول على فوائد غذائية أكبر” كما تقول وادلي.

كما أن نبات الأنجستيفوليا ينمو في حزم، بحيث يمكن حصاد الكثير منه دفعة واحدة، لذا تقول وادلي “إن كل هذه الصفات جعلت هذا النبات مصدرا غذائيا مهما ومألوفا لدى البشر داخل أفريقيا أو حتى خارجها، إذ ينتقل الصيادون من مكان لآخر دوما، لذا فإن الانتشار الواسع لنبات ما قد يضمن أمنهم الغذائي”.

المصدر : الجزيرة

Leave A Reply

Your email address will not be published.