في 27 يونيو 2016، اعتذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن إسقاط طائرة عسكرية روسية على الحدود السورية التركية، حسبما قال متحدث باسم الكرملين، وأرسل أردوغان رسالة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعرب فيها عن “التعاطف والعزاء” لـ”أسرة الطيار الذي قتل في الحادث”، حسبما قال المتحدث.
كما أعرب أردوغان عن أسفه العميق لما حدث وقال إنه “يريد إعادة العلاقات”، حسبما قال ديميتري بسكوف، المتحدث باسم الكرملين، وقال بسكوف إن “الرسالة تنص، على وجه الخصوص، على أن روسيا صديقة لتركيا وشريك إستراتيجي لا تريد السلطات التركية إفساد العلاقات معه”، ولم تعلق تركيا حتى الآن على تصريح الكرملين.
وأثارت تركيا غضب موسكو لأنها لم تعتذر عن الحادث في نوفمبر الماضي، وردت روسيا بفرض عقوبات تجارية وإيقاف الرحلات السياحية إلى تركيا، وقال بوتين آنذاك إن العقوبات لن تُرفع حتى تتلقى روسيا اعتذارًا
وتحطمت المقاتلة في منطقة جبل تركمان في محافظة اللاذقية السورية، ما أدى إلى مقتل طيارها، ونجا ملاح المقاتلة الكابتن كونستانتين موراختن من الحادث ونقلته القوات الحكومية السورية إلى قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية، وقتل جندي روسي شارك في عملية إنقاذ بالطائرة المروحية عندما اشتعلت النيران في المروحية.
وقالت تركيا إن قائد الطائرة الروسية تلقى تحذيرات عشر مرات خلال خمس دقائق عبر قناة “للطوارئ” وطُلب منه تغيير المسار، وتؤكد وزارة الدفاع الروسية أن الطائرة بقيت في المجال الجوي السوري طوال مهمتها ولم تخترق المجال الجوي التركي وأنها لم تتلق تحذيرات.
توافق روسي تركي حول سوري
عقِب هذا التقارب، بدأت تصريحات روسية تؤكد على وجود تفاهم روسي تركي حول الأزمة التركية، ونفى وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، أن تكون بين موسكو وأنقرة اختلافات حول تصنيف الإرهابيين في سوريا، مؤكدًا استئناف التعاون الثنائي في مجال محاربة الإرهاب، وتابع لافروف، في معرض تعليقه على لقاء جمعه يوم الجمعة 1 يوليو مع نظيره التركي، مولود تشاووش أوغلو، قائلًا: “إن الجانب التركي يشاطر موسكو موقفها حول ضرورة انسحاب قوات المعارضة السورية من المناطق الخاضعة لسيطرة الإرهابيين”.
ونبه الوزير الروسي في هذا الخصوص بأنه سبق لروسيا أن اقترحت إدراج تنظيمي “جيش الإسلام” و”أحرار الشام” على القائمة الأممية للمنظمات الإرهابية نظرًا لتوفر شهادات حول خرق هذين التنظيمين لكل أعراف الحرب، لكن هذا الاقتراح لم يحظ آنذاك بالتأييد بالإجماع في مجلس الأمن الدولي.
وأضاف “تهتم روسيا وتركيا على حد سواء بانسحاب المعارضة الوطنية البناءة التي ما زالت تتمركز في المناطق الخاضعة لسيطرة الإرهابيين، من تلك المناطق، وإلا سنعتبر هؤلاء المعارضين كمتواطئين مع جبهة النصرة وداعش”.
وأكد لافروف أنه اتفق مع تشاووش أوغلو على استئناف اجتماعات فريق العمل الروسي-التركي المشترك الخاص بمحاربة الإرهاب والذي علقت موسكو عمله منذ 7 أشهر إثر حادثة إسقاط قاذفة “سو-24” الروسية في سماء سوريا من قبل سلاح الجو التركي، وأعرب لافروف عن أمله في تطوير الاتصالات مع تركيا عبر القنوات الأخرى، بما في ذلك الاتصالات بين الجيشين الروسي والتركي.
وأضاف الوزير أن حكومتي البلدين ستجريان في القريب العاجل اتصالات حول تطبيع مجمل العلاقات الورسية-التركية، وأضاف أنه تلقى خلال لقائه وزير الخارجية التركي تأكيدات على استعداد أنقرة لاتخاذ كل الإجراءات الضرورية لضمان أمن السياح الروس في أراضي تركيا.
بدوره، قال وزير الخارجية التركي للصحفيين، إن أنقرة تحارب “تنظيم الدولة” بصورة مباشرة، ونفى أن يكون لهذا التنظيم الإرهابي أي صلة بالإسلام، ووصف تشاووش أوغلو الوضع في سوريا بأنه “غير واعد”، ودعا اللاعبين الخارجيين إلى العمل سويا من أجل تسوية الأزمة بالوسائل السياسية وضمان نظام مستقر لوقف إطلاق النار.
كما أكد الوزير أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مستعد للقاء نظيره الروسي فلاديمير بوتين قبل قمة العشرين المرتقبة في الصين في سبتمبر المقبل، ومستعد للذهاب إلى روسيا لهذا الغرض، وتابع: “أن الطرفين يبحثان الموعد المحتمل للقاء حاليًا”، وأضاف “أن لقاءه مع لافروف شمل كل جوانب العلاقات الثنائية، بما في ذلك التعاون الاقتصادي، ومجالي الطاقة والتجارة وتبادل الزيارات على المستوى الرفيع”.
تركيا تتخلى عن المعارضة
ذكرت صحيفة “Financial Times”، أن تركيا تخطط لتغيير إستراتيجيتها في سوريا، بالتخلي عن الدعم المباشر للجماعات المسلحة المعارضة لحكومة بشار الأسد، وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء نقلًا عن وكالة سبوتنيك الروسية، أن هدف أنقرة في سوريا الآن هو قمع الحركة الكردية ومكافحة “تنظيم الدولة”.
وقالت الصحيفة: “بعد عدة سنوات من الحد من التجارة وزيادة الهجمات الإرهابية، أنقرة شعرت بأنها معزولة على الصعيد الدولي، في الوقت الذي كانت تتحرك فيه ضد الحركة الكردية “داعش” كان ينمو داخل البلاد”.
وقد يكون الهجوم الإرهابي على مطار إسطنبول (تعتقد السلطات التركية أن “داعش” المسؤول عنه) حافزا لتوثيق العلاقات مع روسيا ولتغيير الإستراتيجية في سوريا، وعلى الرغم من تحذير الدبلوماسيين بشأن إمكانية التغيير الحاد في مسار البلاد، إلا أن الصحف الموالية للحكومة التركية بدأت تغير مقالاتها.
ويعتقد محلل المجلس الأطلسي في الولايات المتحدة، أورون ستيين، أن تركيا ستغير أولوياتها في سوريا، وأن مهماتها الرئيسية ستكون ليس فقط مكافحة الأكراد بل مكافحة تنظيم “داعش” أيضا. ولتحقيق الأهداف أنقرة ستحتاج إلى دعم موسكو.
وأشارت الصحيفة إلى أنه بحسب المعلومات المتاحة، فإن الضرر الأكبر سيلحق بالجماعات المتطرفة (التي كانت تدعمها أنقرة) إذا غيرت تركيا سياستها في سوريا.
توقعات في تغيير سياسة تركيا إزاء سوريا
رجحت مؤسسة كارنغي الأمريكية للدراسات تغيير سياسة تركيا حيال سوريا، وأوردت مؤسسة كارنغي إن 5 أعوام مرت على التدخل التركي في حرب سوريا دون أدنى تغيير على صعيد تحقيق الأهداف الابتدائية لهذا التدخل ما أسفر عن إحباط تركيا لذلك فإن بعض الخبراء يرجحون إعادة النظر في سياسات الحكومة التركية.
وفي هذا التقرير، ورد أن تغييرات طرأت مؤخرا على وزارة الخارجية التركية؛ حيث إن قوة الكرد السوريين ازدادت في المنطقة التي يسيطرون عليها قرب الحدود الجنوبية لتركيا، وأشارت إلى أن التطورات أدت إلى أن يعتقد الكثير من المحللين السياسيين وكذلك محللين من حزب أردوغان أن تغييرات قادمة في مجال سياسات هذا البلد حيال سوريا.
وأوضحت أن هذا التغيير يمكنه ترك تأثيرات كبيرة على مستقبل الحرب في سوريا لذلك فإن محللين أتراكا أوضحوا وجهات نظرهم حول السياسات المستقبلية لهذا البلد حيال سوريا، وأشارت المؤسسة إلى تقريرها السابق حول جهود تركيا لإيجاد توازن في سياساتها الخارجية والشائعات الأخيرة حول تحسن علاقاتها مع الرئيس السوري بشار الأسد بصورة محدودة.
وفي هذا السياق، قال سنان أولجن، إن حسابات أنقرة تتوجه نحو التغيير؛ حيث إن إقالة أحمد داود أوغلو من رئاسة الوزراء يسهل من عملية التغيير هذه، وقال إن تركيا تريد تطبيق نفسها مع الواقع؛ حيث إن الأسد رغم جميع المحاولات لإسقاطه ما زال متربعًا على كرسي السلطة بقوة، كما أن ظهور “تنظيم الدولة” أدى إلى تركز جهود حلفاء “داعش” على تغيير الحكومة السورية، كما أن دعم موسكو وطهران لحكومة الأسد أدى في النهاية لعدم جدوى هذه السياسة.
وقال المحلل التركي، وردا أوزر، إن تركيا بلغت مرحلة إستراتيجية قد ترغم على المبادرة لتمهيدات إستراتيجية، وأضاف أنه يبدو أنه ليست سياسة تركيا إزاء سوريا ستتغير بل إن السياسة الخارجية التركية سيطالها التغيير برمتها.
واعتبر أن الحكومة الجديدة في أنقرة تريد التأسيس لمثل هذا التغيير وقد تحولت إلى رمز لإعادة النظر في السياسة الخارجية؛ حيث إن رئيس الوزراء الجديد، علي يلدريم، قال في أول اجتماع للحكومة: “إننا نعمل على زيادة أصدقائنا والتقليل من أعدائنا” لذلك فإنه قدم الخطوة الأولى.
ونوه إلى أن الرئيس التركي أردوغان أشار، في تصريح على مائدة إفطار دعي فيها السفراء الأجانب في بلاده، إلى تغييرات شاملة في السياسات الخارجية؛ حيث ذكر أنه يتصور أن توازنا جديدا ممكن التحقق يقوم على قاعدة ربح -ربح لضمان المصالح المشتركة.
فوربرس – التقرير