أيديولوجيا التعذيب لا يمكن أن تحصل إلّا في أقبية مظلمة ومخفيّة كأقبيّة العقل العاجز عن رؤية ما يجري بالفعل.
الضرب والتعذيب والإهانة، أدوات مصحوبة بلغة وألفاظ تبرّرها، لا أحد يعذّب موقوفاً بصمت، ولذلك فإنّنا “لم نرَ وجه بشّار لأنّهم على الأغلب قد ضربوه ضربا مبرحا، لدرجة أنّ ملامحه لم تعد تدلّ على هويّته” يقول عيتاني.
ربما يقنع جهاز أمن الدولة نفسه كما يحاول إقناعنا بأنّ كلّ ما يريده هو الحصول على الحقيقة التي تخوّله تسجيل إنجازات وهميّة على حساب موقوفين بريئين، ومنعهم من الحصول على محاكمة عادلة، كتلك الحقيقة التي ظنّ أنّ باستطاعته فرضها علينا عندما ذكر في بيانه أنّ الموقوف تناول جرعة زائدة من حبوب الكبتاغون، ومات إثر نوبة قلبيّة أثناء استجوابه. هل يحتمل جهاز أمن الدولة الاعتراف بالحقيقة هو الآخر؟ لا حقيقة مقتل بشّار عبد السّعود أو غيره من الموقوفين الذين انتهكت حريّتهم فحسب، بل تلك الحقيقة التي يعرفها الجميع والتي تتعلّق بدور هذا الجهاز الذي لا يعدو كونه أكثر من مجرّد شرطة تقليديّة والذي تمّ إنشاؤه كضرورة للمشاركة المذهبية في قيادة الأجهزة الأمنية، وهذا الإنشاء كان بنيّة تخصيص الجهاز للطائفة الكاثوليكيّة التي لا تملك أي جهاز آخر من ضمن سياسة تهدف إلى مراعاة التوازن الطائفي في توزيع المناصب الأمنيّة. الجهاز لا تزال الحاجة إليه موضع نقاش، علما بأنّ السبب الرئيسي لإنشائه عام 1984، كان لإرضاء الطائفة الشيعيّة.
في 26/9/1984 أصدر مجلس الوزراء مرسوماً اشتراعياً عدّل بموجبه قانون الدفاع الوطني، فأنشأ مديريّة عامة لأمن الدولة، تابعة لرئيس المجلس الأعلى للدفاع (رئيس الجمهوريّة) ونائبه (رئيس الحكومة). محور عمله كان حماية الشخصيات، لذا فإن إلغاء جهاز الحماية الشخصيّة في مديريّة أمن الدولة سيؤدي حتماً إلى فناء المديريّة.
“لقد زرت عائلة بشّار” يقول المحامي والناشط في مجال حقوق الإنسان محمّد صبلوح. “المكان الذين يعيشون فيه ليس بيتاً، لا يوجد أثاث فيه، جلست على مخدّة باعتبارها كنبة، ما أريد قوله هو أنّ لو بشّار عبد السّعود تاجر مخدّرات بالفعل، أو مزوّر عملات أجنبيّة، لاستطاع على الأقل اعالة عائلته وإطعام ابنه وانتشالهم من هذا المكان الذين يسكنون فيه”.
هل يبتسم قياديّ في تنظيم “داعش” بهذا الشّكل، بل هل يبتسم قياديّ في تنظيم “داعش” أصلا؟ يمكن للصّورة أن تكون هويّة بالفعل، بحيث أنّ صورتين لبشّار عبد السّعود قد انتشرتا له وهو على قيد الحياة، مبتسماً، واحدة في محل البقالة، وأخرى إلى جانب احدى أشجار الميلاد. حين كان بشّار عبد السّعود على قيد الحياة، كان شخصاً عاديّا يعمل عتّالاً في محلّات البقالة، يجري جردة أسبوعيّة للديون، يقف إلى جانب شجرة ميلاد في العيد ويطلب من شخص ما أن يصوره ممسكاً بإحدى أغصانها، لكنّه عندما مات، صار سوريّاً، قائد مجموعة إرهابيّة، تاجر مخدّرات ومزوّر عملات أجنبيّة.
لقد أحضروا زياد عيتاني آخر. ثمّ عذّبوه لكي يعترف بأشياء لم يفعلها، ثمّ احتفلوا بتسجيل انتصارات فاشلة على ظهره، لقد فعلوا ذلك بشكل حرفيّ. “كانوا يبرزون صوراً لعائلتي وابنتي على هاتفي المصادر، وكانوا يستعملون بحقّهم أسوأ العبارات والألفاظ، بحيث أنّه لم تكسرني أيُّ من ضرباتهم، لكن ما أن أسمع ضابطاً يتحدّث بقذارة عن ابنتي الصغيرة، ذلك ما لم أستطع تحمّله ثانية واحدة”.









