في الوقت الذي استبعدت فيه الإدارة الأمريكية إقامة منطقة عازلة على طول الحدود التركية السورية، رأى عدد من الخبراء والباحثين أن إقامة هذه المنطقة من شأنه توفير الملاذ الآمن للنازحين والمعارضة المعتدلة في مواجهة النظام ليتجدد الجدل الكبير حول هذا الطرح، فيما أكد آخرون ضرورة استعداد الأطراف الخارجية الفاعلة لتحولات الوضع الميداني بعد النجاحات التي حققتها قوات المعارضة في إدلب وجسر الشغور.
منطقة عازلة
وقال دينيس روس المستشار بمعهد واشنطن للدراسات والمبعوث الأمريكي الأسبق للسلام بالشرق الأوسط إنه ليس هناك أمر آخر قد يفعل المزيد لتغيير الحقائق على الأرض في سوريا أكثر من هذه المنطقة العازلة، إذ يمكن أن توفر مكاناً للنازحين في سوريا الذين يقارب عددهم 6 ملايين شخص وأن تلبّي الضرورات الإنسانية، كما يمكن أن تنشّط معارضة سورية أكثر علمانية من خلال منحها قاعدة للنمو في سوريا في الوقت الذي يترنح فيه نظام بشار الأسد بسبب الخسائر في إدلب وجسر الشغور.
الوقت ينفد
وتابع روس، إلى جانب ذلك ستُظهر أن الوقت ينفد من الأسد ويؤثر على الحسابات الروسية والإيرانية حول قيمة اللجوء إلى عملية سياسية حقيقية لتسوية النزاع، وبالإضافة إلى أنها تضع واشنطن في موقف يتيح لها الإصرار على أن تنسق دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا أعمالها مع الولايات المتحدة وتلعب دورها في تمويل المنطقة والحفاظ على أمنها، فهي ستشير بصورة لا تدع مجالاً للشك إلى استعداد واشنطن لتحويل توازن القوى فعلياً ضد الإيرانيين في المنطقة
الإدارة الأمريكية
فيما قال وزير الدفاع آشتون كارتر إن إقامة منطقة إنسانية آمنة في سورية تتطلب “مهمة قتالية كبيرة” تقاتل خلالها القوات الأمريكية المسلحين الإسلاميين والجيش السوري. وأضاف كارتر أمام أعضاء من الكونجرس الأمريكي أنه “سيكون علينا خوض قتال لإقامة مثل هذه المنطقة، وبعد ذلك القتال من أجل الحفاظ عليها، ولهذا فإن هذه مسألة يصعب التفكير فيها”.
صفقة إقليمية
من جانبه قال يزيد صايغ – باحث رئيسي بمركز كارنيجي للشرق الأوسط ، إنه إذا ما أُجبر النظام على التخلّي عن سلطات واسعة في سياق صفقة إقليمية، فقد ينهار إذا ما بدأت الشبكات المعقدة التي استند إليها للحفاظ على الذات إلى الآن تتفكّك وتعيد الاصطفاف بطرق جديدة، وينبغي على كل الأطراف الخارجية الفاعلة أن تتوقع وتستعد لمواجهة الوضع الميداني الذي قد يتحوّل بسرعة في تلك الحالة، من خلال استجابات معدّة إعداداً جيداً وتدخّلات موجّهة بدقّة.
ولفت صايغ إلى أن الاقتراح الأخير لبناء «قوة وطنية سورية لفرض الاستقرار» يمكن أن توفر الأمن والنظام في سورية في مرحلة انتقالية، يُشكل مثالاً جيداً لمثل هذا التفكير. وينبغي أيضاً تحديد الأولويات السياسية والإدارية والمالية الهامة الأخرى والإعداد لها بطريقة مماثلة. وأضاف أنه في حين تتموضع القوى الإقليمية وحلفاؤها المحليون في سورية قبيل اتفاق نووي محتمل مع إيران، ينبغي عليها أن تخصّص قدراً متنامياً من اهتمامها ومواردها للتخطيط لما قد يأتي في اليوم التالي.
التوازن العسكري
وأشار صايغ إلى ما وصفه ببروز مساعي تغيير التوازن العسكري ضد نظام الأسد قبيل توقيع الاتفاق النووي بين مجموعة (5+1) وإيران، في سقوط مدينتي إدلب وجسر الشغور في أيدي الثوّار في الشمال الغربي من سورية والمكاسب التي حققوها حول درعا في الجنوب في الأسابيع الأخيرة الأمر الذي قد يفتح الطريق أمام التوصل إلى صفقة منفصلة مع إيران بشأن سورية، غير أن النظام ربما يكون محصوراً من الناحيتين العسكرية والاقتصادية وهشاً جداً من الناحية السياسية إلى درجة أنه غير قادر على الصمود في حال تمّت الصفقة.
تحسينات كبيرة
ويرى صايغ أن الثوّار لم يتمكّنوا من قلب التوازن الإستراتيجي بعد، ولا يزال أمامهم صراع شاق قبل أن يتمكنوا من ذلك. ولا ريب أن أداءهم استفاد كثيراً من التحسينات الكبيرة التي أجروها في جوانب التنسيق وإدارة المعركة ووحدة الهدف. لذا من المرجّح أن يتمكنوا من تطهير ما تبقّى من جيوب النظام في محافظة إدلب والحصول على جائزة أكبر – درعا المدينة – في الوقت الذي يهدّدون طريق النظام إلى حاميته في مدينة حلب ويقتربون أكثر من حماة وحمص. غير أن الثوّار لا يملكون القوة الكافية للتغلّب على النظام الذي يُعتقد أنه درّب 2500-3000 ضابط في العام 2014 وحده، ويستمر في تلقّي مساعدات عسكرية من روسيا وإيران تكفي لإبطاء، وربما وقف، المزيد من تقدم الثوّار في المستقبل القريب، ولو أنها لم تُعد كافية لعكسه.
تراجع قتالي
وقال صايغ إن نظام الأسد وصل إلى ذروة قدرته على تعبئة المزيد من الموارد لمواصلة الحرب، فإن محاولته تطويق حلب منذ أواخر عام 2014 تعثّرت، ولا تزال قواته منهمكة في وضع «إطفاء الحرائق» في مواجهة الضغط المستمر من الثوّار أو تنظيم الدولة الإسلامية إلى الشرق من محافظتي حماة وحمص وفي منطقة دمشق، وبما أن مدينتي إدلب وجسر الشغور كانت تدافع عنهما حتى سقوطهما بأيدي الثوّار، قوات من الجيش السوري وجيش الدفاع الوطني الموالي للحكومة حصراً، وليس من حزب الله أو إيران أو الميليشيات العراقية، فيقدِّم ذلك مؤشراً لافتاً إلى التراجع الجاري في الإرادة القتالية لتلك القوات.
خلافات النظام
وتابع صايغ، الأهم من ذلك هو أن فشل النظام في الدخول في حوار سياسي هادف مع أي طرف داخل أو خارج سورية لحل النزاع أو معالجة المظالم لدى قاعدته الاجتماعية ومؤيديه، من خلال تخفيف حدّة الفساد المستشري في صفوفه والمحسوبية في منح العقود الحكومية، حرمه من أي فرصة للتعافي سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً. فقد فرغت مؤسّسات الدولة إلى درجة غير مسبوقة، ويبدو أن انخفاض قيمة الليرة السورية خرج عن نطاق السيطرة، فيما توحي الأنباء بتعرض ضباط في الجيش والأمن من الرتب المتوسطة في منطقة الساحل إلى عمليات اغتيال وكمائن إلى أن الخصومات الفئوية والخلافات السياسية داخل معسكر النظام باتت تتعمّق.
الراية القطرية