يفضل الأميركيون تجنب اندلاع حرب مدمرة وطاحنة، سواء مع الصين أو مع روسيا. لن يفتحوا النار رداً على تصرفات هاتين الدولتين، بل سيكتفون بتدابير ردعية. يقول أوهانلون وبتريوس: “إذا واصلت الصين الاستيلاء على الجزر في
لا شك أن تعزيز وتطوير الوجود العسكري الأميركي في مناطق تعتبرها واشنطن حيوية بالنسبة لمصالحها وأمنها، يسمحان لها بأن تكون على جهوزية عالية لخوض أي مواجهة عسكرية محتملة، مع الصين، أو مع روسيا، أو مع إيران… لكن دوائر صنع القرار الأميركية تتطلع، على ما يبدو، إلى الاكتفاء بإسهام قوة الردع في إبقاء الخلافات مع هؤلاء الخصوم في وضعية تجعلها تحت السيطرة، أي معالجتها وإدارتها تحت سقف الدبلوماسية والتفاوض، أو من خلال اعتماد مبدأ المواجهة بالوكالة. أي حصر صراع معين بنطاق محلي وخوضه بواسطة وكلاء-حلفاء محليين، كما حصل في مرحلة الحرب الباردة والحروب الأهلية في بلدان عدة. هكذا يمكن بالتالي حماية المصالح الأميركية من دون المجازفة بزعزعة الاستقرار والأمن الدوليين.
“الخطر” الروسي
لعل الإشكالية الأصعب التي تواجهها القيادة الأميركية، وتستحوذ على اهتمام واسع من قبل مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام في العالم، تتمثل في السياسة الروسية على الساحة الدولية. وما تخشاه الولايات المتحدة تحديداً، أوضحه وزير دفاعها،
هذه القراءة الأميركية للسياسة الروسية على الساحة الدولية تعتبر إذاً أن موسكو تتحرك عملياً من دون أن تتخطى حدودها. أي لا تشن هجوماً مباشراً على المصالح الحيوية للأميركيين والمنظومة الغربية. وهذا يعني أن المقاربة الأميركية تميز بين أمرين: الخطر العسكري الاستراتيجي الذي تمثله روسيا بسبب قوتها النووية، وهو ما يتطلب استمرار تطوير القدرات العسكرية الأميركية وقوة الردع، لكي تبقى الولايات المتحدة هي القوة المرجحة في المعادلة العسكرية الدولية؛ وتصرفات وسياسات روسيا تجاه ملفات دولية وإقليمية معينة التي تثير توتراً حاداً مع الغرب، لكن يمكن التعامل معها بتشدد محدود، بعقوبات، وبخوض الكباش بالوكالة، من دون الدخول في مواجهة مباشرة، لأن الأمر لا يتعلق، حتى الآن، بمشروع توسعي على حساب المصالح الغربية.
ستاتيكو الفوضى في الشرق الأوسط
وتشكل هذه المقاربة الأميركية تجاه روسيا ممراً يساعد على توقع كيف سيكون تعاطي الإدارة الأميركية المقبلة مع ملفات الشرق الأوسط. فهذه المنطقة تمثل إحدى الدعائم الثلاث لاستراتيجية تعزيز الردع العسكري الأميركي بوجه روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية و”داعش”.
وتطرح التوجهات الردعية التي من المفترض أن تطبق مع وصول إدارة أميركية جديدة، أسئلة عديدة، من بينها معرفة انعكاسات توجهات كهذه على منطقة الشرق الأوسط وسياسة واشنطن فيها. هل يستمر مسار الانكفاء الذي سلكه الرئيس باراك أوباما (مع العلم بأن الانكفاء لا يعني التخلي عن النفوذ والمصالح في هذه المنطقة)؟ أم أن الرئيس العتيد سيفعّل الدور الأميركي في إدارة الملفات الشائكة، لإعادة خلط الأوراق فيها، وتعديل مسارات الأزمات لمصلحة حلفاء واشنطن في الإقليم؟ طبعاً، تبقى الأجوبة محصورة في دائرة التكهنات والتوقعات والمحاولات الاستشرافية التي يمكن أن تصيب أو تخطئ.
لكن ما هي الخيارات التي ستكون مطروحة واقعياً على الرئيس الأميركي الجديد وإدارته؟ وإذا كان الاتجاه المرجح يتمثل في تجنب الحرب الشاملة والحاسمة، مع روسيا أو مع الصين، وكذلك مع غيرهما، هل يمكن أن تسمح واشنطن بتطور الصراعات المسلحة في الشرق الأوسط إلى حرب أو حروب إقليمية، أي إلى مواجهات مباشرة بين دولتين أو أكثر في الإقليم؟ أم أنها ستكتفي، كما درجت العادة، بإبقاء عمليات الاقتتال الجارية ضمن سقف الحروب متدنية الحدة، وبإدارة الأزمات من دون السعي الجدي لحلها من خلال معالجة أسبابها العميقة، وصولاً إلى إحلال السلام تدريجياً في المنطقة؟
الطموح الاستراتيجي المتمثل بتحسين قوة الردع الأميركية في العالم، هو أكبر من أن يغرق صاحبه بتفاصيل الفوضى الإقليمية. بمعنى آخر، طالما أن الفوضى والحروب الأهلية الشرق أوسطية، لا تتسبب بمخاطر مباشرة على المصالح والأمن الأميركيين، أو طالما أن هذه المخاطر محدودة بالمقاييس الأمنية، فمن المستبعد أن تقدم الإدارة الأميركية الجديدة على خطوات عملية وإطلاق ديناميات جديدة لتغيير مسارات الأزمات، أو حتى للمساهمة في إعادة الاستقرار والسلام في مناطق الشرق الأوسط الملتهبة.
وفي هذا الصدد، يقول الرئيس السابق لأركان الجيوش الأميركية، مارتن ديمبسي، في مقابلة مع “فورين أفيرز”: “قد نضطر يوماً ما، حين يتم تهديد مصالح أمننا القومي، إلى إرسال قوة كبيرة (إلى الشرق الأوسط). على سبيل المثال، إذا قررت إيران تطوير أسلحة نووية والقدرة على تصنيعها، يبدو لي أنه (سيكون علينا أن) نرسل أكبر عدد من قواتنا للحؤول دون ذلك”.
بهذا المنحى، ما تنوي الولايات المتحدة القيام به في الشرق الأوسط، يتمثل باستمرار العمليات العسكرية، في إطار التحالف الدولي، ضد “داعش”، مع إدراكها المسبق أن مرحلة ما بعد “داعش” ستبقى متأزمة، ومحكومة باستمرار الفوضى والحروب الأهلية، على أنقاض الدول الفاشلة.
معظم ما يكتب في مراكز الدراسات الأميركية يفيد بأن الولايات المتحدة ستحافظ على وجودها العسكري في الخليج، في نطاقه البري والبحري والجوي. وستعزز الإمكانات والجهوزية وقدرات الردع على المستويات القتالية والتكنولوجية والاستخباراتية، تحسباً لأي تهديد محتمل. تهديد يرتبط، كما يشير ديمبسي، بتصرف إيران في الإقليم. وللخطر الإيراني في التعريف الأميركي، في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي (يوليو/تموز 2015)، مستويين: الأول، زيادة نفوذ إيران من خلال تحقيق وكلائها في بعض الدول مكاسب جيوسياسية لا تراعي مبدأ التوازنات المحلية والإقليمية. أي طالما أن إيران لم تدفع نحو قلب التوازنات، هنا وهناك، سيبقى إذاً نشاطها ضمن السقف المقبول أميركياً. أما المستوى الثاني والأهم، فيتمثل بامتلاك أو محاولة امتلاك إيران للسلاح النووي، استناداً إلى فرضية أميركية مفادها أن الاتفاق النووي ساهم فقط بتأخير مساعي طهران لتصنيع القنبلة، ولم يلغ طموحاً كهذا.
هذا التهديد المحتمل يتطلب بالتالي من الولايات المتحدة الحفاظ على مستوى عالٍ من الجهوزية للتدخل العسكري المباشر والحاسم من أجل ردع إيران في حال لزم الأمر. أما الوجود العسكري الأميركي المعزز في الشرق الأوسط، سيهدف فقط إلى استمرار تقديم الدعم لحلفاء واشنطن، واستمرار التدريبات التي توفرها لجيوشهم وحتى بعض مليشياتهم. زيادة الدعم للحلفاء تلحظ طبعاً إمكانية إعطاء مزيد من الزخم لمن تعتبرهم واشنطن حلفاءها في سورية، مثلاً، لكن هذا الأمر لن يصل إلى مستوى تمكين هؤلاء من الحسم العسكري ضد خصومهم، أي نظام بشار الأسد. والاكتفاء بدعم الحلفاء، للحؤول دون تغير توازن القوى لصالح إيران، يعني أن الوضع سيراوح مكانه. أي ستستمر الفوضى، من دون أن تتدخل فيها واشنطن لإنهائها جذرياً، مع أن سياساتها الشرق أوسطية تمثل جزءاً أساسياً من أسبابها.
في المحصلة، لن تدخل الولايات المتحدة في أي حرب شاملة ومدمرة، لا مع إيران ولا مع روسيا، إلا إذا أصبحت منظومة النفوذ التي بنتها في الشرق الأوسط، وفي أي مكان في العالم، مهدّدة. وطالما أن هذه المنظومة لا تزال تعمل وتوفر للأميركيين عائدات مقبولة، وأكثر من مقبولة، فهي لن تتدخل في تفاصيل تثير قلقها بلا شك، لكنها لا تهدد العائدات، ولا تبشر بخسائر استراتيجية وشيكة.







